ما وراء الصواريخ الإيرانية: لماذا بدا عون والسعودية الهدف السياسي للرسالة؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في الشرق الأوسط، غالباً ما تكون الصواريخ أقل أهمية من الرسائل التي تحملها. فالحروب تُخاض بالنار، لكن التوازنات تُصنع بالإشارات السياسية. ومن هذا المنطلق، قد يكون الخطأ الأكبر في قراءة التصعيد الإيراني الأخير هو الاعتقاد بأن الرسالة كانت موجهة حصراً إلى إسرائيل.
فالحدث الذي استوقف المراقبين لم يكن إطلاق الصواريخ بحد ذاته، بل التوقيت السياسي الذي رافقه. ففي اللحظة نفسها التي كانت فيها طهران ترد على التطورات الميدانية، اختار وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي نشر صورة العلمين الإيراني واللبناني معاً، في خطوة بدت أكبر من مجرد تضامن رمزي أو إشارة بروتوكولية عابرة.
فخلال الأشهر الأخيرة، شهد لبنان تحولاً غير مسبوق في الخطاب الرسمي. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، خرج رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام بخطاب مباشر ينتقد بوضوح تحويل لبنان إلى ساحة صراعات إقليمية، ويؤكد أن قرار الحرب والسلم يجب أن يعود إلى الدولة اللبنانية وحدها. والأكثر أهمية أن هذا الخطاب تزامن مع دعم عربي واضح، تتقدمه المملكة العربية السعودية، لإعادة تثبيت دور الدولة ومؤسساتها الشرعية.
في هذا السياق، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى طهران مجرد خلاف سياسي مع مسؤول لبناني أو موقف دبلوماسي عربي. المشكلة الأعمق أن المعادلة التي حكمت لبنان لعقود بدأت تواجه تحدياً من داخل الشرعية اللبنانية نفسها.
وهذا تحديداً ما يمنح صورة عراقجي دلالتها الحقيقية.
فالرسالة الإيرانية بدت وكأنها تقول إن لبنان لا يزال جزءاً من الحسابات الاستراتيجية الإيرانية، وإن أي محاولة لإعادة رسم موقعه الإقليمي لن تمر من دون رد سياسي واضح. لم يكن المقصود بالضرورة إعلان وصاية أو نفوذ مباشر، بل التأكيد أن طهران ما زالت ترى نفسها لاعباً أساسياً في تحديد مستقبل التوازنات اللبنانية.
لكن ما يلفت الانتباه أكثر هو أن هذا التطور جاء في لحظة إقليمية حساسة للغاية. فالمفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران مستمرة، والعالم العربي يشهد إعادة ترتيب واسعة للأولويات والتحالفات، فيما تحاول السعودية تكريس نموذج جديد يقوم على استقرار الدول وتعزيز مؤسساتها الوطنية بدلاً من إدارة الصراعات المفتوحة.
من هنا يمكن فهم سبب تصاعد الحساسية الإيرانية تجاه الخطاب اللبناني الجديد.
فالتحدي الذي يواجه طهران اليوم ليس عسكرياً بقدر ما هو سياسي. النفوذ الإقليمي يستطيع التكيف مع العقوبات والضغوط والتهديدات الأمنية، لكنه يواجه اختباراً أصعب عندما تبدأ الدولة التي يتحرك داخلها باستعادة شرعيتها السياسية وقدرتها على صياغة خطاب وطني مستقل.
ولهذا تبدو تصريحات جوزيف عون ونواف سلام أكثر أهمية مما قد يعتقده البعض. فهي لا تستهدف طرفاً بعينه بقدر ما تعيد طرح سؤال جوهري حول طبيعة الدولة اللبنانية ودورها وموقعها في المنطقة.
أما السعودية، فتقرأ هذا التحول من زاوية مختلفة. فالدعم السعودي للبنان في هذه المرحلة لا يقتصر على دعم حكومة أو رئيس، بل يرتبط برؤية استراتيجية تعتبر أن استقرار المنطقة يبدأ من استعادة الدول العربية لقرارها السيادي ومؤسساتها الشرعية. ومن هنا يأتي الرهان السعودي على نجاح الدولة اللبنانية في تثبيت سلطتها وإعادة بناء ثقة الداخل والخارج بها.
لهذا السبب، فإن قراءة الصواريخ بمعزل عن السياق السياسي الأوسع قد تكون قراءة ناقصة. فالمواجهة الحقيقية لا تدور فقط على الجبهات العسكرية، بل أيضاً في ميدان الشرعية والنفوذ والقدرة على تحديد هوية لبنان المستقبلية.
وفي هذا الإطار، ربما لم تكن الرسالة الإيرانية موجهة إلى إسرائيل وحدها. وربما كانت تحمل في طياتها إشارة أخرى إلى بيروت والرياض معاً: أن الصراع على موقع لبنان في الإقليم لم يُحسم بعد، وأن معركة النفوذ انتقلت من الميدان العسكري إلى ميدان أكثر عمقاً وتأثيراً، هو ميدان الدولة والشرعية والقرار الوطني.
وهنا تحديداً تكمن أهمية اللحظة الراهنة. فالتاريخ لا يتغير فقط عندما تنطلق الصواريخ، بل عندما تبدأ الدول بإعادة تعريف نفسها. ولبنان، على ما يبدو، يقف اليوم أمام واحدة من تلك اللحظات النادرة التي قد تعيد رسم مستقبله لعقود مقبلة.