أزمة ديبلوماسية تضع لبنان في مأزق جديد بعد طرد قنصل من واشنطن
لم يكن ينقص لبنان، وهو في ذروة الضياع أمام مرحلة شديدة الضبابية تجعله في وضع عالق تماماً في دوامة الاحتمالات المجهولة، إلا أن تبرز ضجة طرد القنصل اللبناني في مدينة ديترويت الأميركية إبراهيم شرارة على خلفية اتهامه بانتهاك الأصول الملزمة لكونه مقيماً في الولايات المتحدة وقنصلاً في إحدى مدنها البارزة وتبنّيه شعارات منحازة إلى حزب الله. صحيح أن إجراء طرد القنصل يتصل بسلوكه الشخصي ولكن الصفعة طاولت لبنان وصورته فيما دولته تحاول جاهدة احتواء الكثير من مسائل وتحفظات لدى الجانب الأميركي على السلطة وسط تطورات ومناخات أسفرت عنها الانتخابات الأميركية لا تبدو في مصلحة لبنان مبدئياً.وقد فوجئت الأوساط اللبنانية الرسمية والسياسية بإعلان وزارة الخارجية الأميركية، أن القنصل اللبناني في مدينة ديترويت في ولاية ميشيغان إبراهيم شرارة، شخصٌ غير مرغوب فيه، بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي نُسبت إليه، تُشيد بهجوم حزب الله عام 1983 على مشاة البحرية الأميركية في بيروت. وكان موقع واشنطن فري بيكون قد شنّ هجوماً على شرارة، بعدما شارك الأسبوع الماضي في حفلة للجالية العربية الأميركية دعماً لعبدول السيد ومرشحين ديموقراطيين آخرين. واتّهم الموقع شرارة، في تحقيق نشره في الثاني من تشرين الثاني، بالإشادة بالهجوم، مشيراً إلى منشور نُسب إليه عام 2021، اعتبر فيه أن المقاومة البطولية أنهت الاحتلال العسكري الأميركي للبنان بضربة واحدة. وقد أفادت السفارة اللبنانية في واشنطن النهار بأنها تبلّغت رسمياً من وزارة الخارجية الأميركية قرار طرد القنصل اللبناني في ولاية ميشيغان إبراهيم شرارة.وعلمت النهار من مصادر مطلعة في واشنطن أن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة في لبنان أُبلغتا بقرار وزارة الخارجية الأميركية اعتبار القنصل اللبناني في ديترويت إبراهيم شرارة «شخصاً غير مرغوب فيه»، وأن لا خيار أمام السلطات اللبنانية سوى الامتثال للقرار، باعتباره قراراً سيادياً أميركياً. وبحسب المعلومات، حاول شرارة تبرير المنشورات المنسوبة إليه، مشيراً إلى أنها تعود إلى سنوات سابقة. إلا أن الإشكالية، وفق المصادر، لم تقتصر على هذه المنشورات، إذ أظهرت مراجعة تحركاته ونشاطاته الأخيرة مشاركته في مناسبات ذات طابع سياسي تنتقد الحزب الجمهوري، ولا سيما خلال الفترة الانتخابية، ما اعتُبر انحيازاً إلى فريق سياسي أميركي على حساب آخر، وهو ما يتعارض مع مقتضيات العمل القنصلي. وتشير المصادر إلى أن تداعيات القرار قد تتجاوز إنهاء مهمة شرارة في الولايات المتحدة، إذ باتت فرص تعيينه في بعثة ديبلوماسية جديدة ضئيلة جداً، نظراً إلى الصعوبات المتوقعة في الحصول على موافقة دولة مضيفة أخرى، باستثناء احتمال قبوله في دول تتخذ مواقف معادية للولايات المتحدة. وبذلك، قد لا يقتصر القرار الأميركي على إنهاء مهمة شرارة في ديترويت، بل قد ينعكس على مستقبله المهني في السلك الديبلوماسي اللبناني.إلى ذلك برزت مواقف ديبلوماسية تستبطن القلق على لبنان ومنها إعلان السفير الفرنسي باتريك دوريل بعد لقائه البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في بكركي، استمرارَ المساعي الدولية لتجنّب التصعيد، مشيراً إلى أهمية مواصلة الاتصالات بين الأطراف المعنية، والعمل على تحصين الاستقرار اللبناني. وتناول البحث أيضاً الأوضاع في الجنوب ومستقبل قوات اليونيفيل، والجهود التي تبذلها فرنسا بالتنسيق مع الدول المعنية واللجنة الخماسية، من أجل المحافظة على الأمن وتجنّب أي فراغ أمني. وجرى التشديد على ضرورة تعزيز مؤسسات الدولة اللبنانية، واحترام القانون، وحصر قرار الحرب والسلم بالسلطات الدستورية، واعتماد الحوار الوطني لمعالجة القضايا الخلافية، بما يحفظ سيادة لبنان ووحدته واستقراره.من جهته، أعرب الراعي عن قلقه من احتمال توسّع المواجهات العسكرية في المنطقة وانعكاساتها على لبنان، مشدّداً على أن الحروب لا تؤدي إلا إلى مزيد من الخسائر، وأن الحوار والحلول الديبلوماسية يبقيان السبيل الأفضل لمعالجة الأزمات.وعلى وقع عمليات الجرف الإسرائيلية المستمرة في الجنوب والتضييق على البلدات الحدودية ذات الغالبية المسيحية زار السفير البابوي المونسنيور باولو بورجيا، بلدتي ديرميماس والقليعة، عصراً، للاطلاع على أوضاع الأهالي، ولا سيما في ديرميماس التي لا تزال تترقّب الإفراج عن ابنها نكد بشارة، المخطوف لدى الجانب الإسرائيلي.غير بعيد من الخشية من تجدّد الحرب، برز موقف لافت من قلب البيئة الشيعية أطلقته مجموعة تضم 250 شخصية من النخب والفعاليات الشيعية الجنوبية عبر نداء جبل عامل والجنوب تحت عنوان الجنوب ليس جغرافيا للآخرين، موجهة رسالة إلى الرؤساء الثلاثة واللبنانيين عموماً تدعو إلى تحرّك وطني عاجل لمنع تحويل الجنوب مجدداً إلى ساحة للصراعات الإقليمية. وحذر الموقعون من المخاوف المتصاعدة من تجدد الحرب الإسرائيلية على لبنان، ومن تهديد الجغرافيا والديموغرافيا معاً، وتحوّل النزوح المتكرر إلى اقتلاع دائم لأبناء القرى والبلدات الجنوبية. ورفض النداء أن يكون جبل عامل وجنوب لبنان احتياطاً جغرافياً لإخفاقات إيران أو ورقة في حسابات الصراع الإقليمي، معتبراً أن إقحام لبنان في معادلة وحدة الساحات كلّف الجنوبيين أثماناً بشرية واقتصادية واجتماعية باهظة. ودعا الموقعون الرؤساء الثلاثة إلى تحمّل مسؤولياتهم الدستورية وتكثيف التحرّك السياسي والديبلوماسي لمنع استئناف العدوان الإسرائيلي، وتحصين موقع لبنان عبر علاقاته العربية والدولية ومرجعيته الشرعية، مؤكدين أن حماية الجنوب لا تتحقق إلا من خلال الدولة ومؤسساتها وقرارها السيادي.
تواجه السلطات اللبنانية ضغوطاً إضافية في فترة حرجة تشهد البلاد تراجعاً سياسياً واقتصادياً غير مسبوق، بعد قرار أميركي بطرد القنصل اللبناني إبراهيم شرارة من مدينة ديترويت بولاية ميشيغان، في خطوة من شأنها أن تعقد علاقات لبنان مع الإدارة الأميركية في ظروف دولية حساسة.
وصل إلى السفارة اللبنانية في واشنطن تبليغ رسمي من وزارة الخارجية الأميركية يعتبر القنصل شرارة شخصاً غير مرغوب فيه، بعد اتهامات بخرقه التزامات قانونية بصفته قنصلاً يقيم في الأراضي الأميركية. وتركزت الأسباب المعلنة على منشورات نسبت إليه عبر وسائل التواصل الاجتماعي تتضمن تصريحات تشيد بعملية عسكرية نفذتها مجموعة لبنانية ضد أهداف أميركية عام 1983 بالعاصمة بيروت.
كشفت المعلومات أن الملف لم يقتصر على هذه التصريحات القديمة، بل امتد ليشمل أنشطة سياسية حديثة قام بها شرارة، حيث شارك في فعاليات مجتمعية وحملات انتخابية اتخذت مواقف معادية لحزب جمهوري أميركي بعينه، الأمر الذي يعتبر انحيازاً سياسياً يتناقض مع الحياد المطلوب من الموظفين الدبلوماسيين. وحاول شرارة الدفاع عن نفسه بالإشارة إلى قدم بعض المنشورات المنسوبة إليه، إلا أن هذا التبرير لم يؤثر على القرار الأميركي.
أُبلغت رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء بالقرار الأميركي، وبات أمام السلطات اللبنانية خيار وحيد وهو قبول هذا الإجراء السيادي الأميركي. ويتوقع المراقبون أن تترتب على الطرد عواقب أوسع على المسار الوظيفي للقنصل، إذ من الصعب جداً تعيينه في سفارة أو قنصلية أخرى لاحتمالية معارضة الدول المضيفة، باستثناء دول تتبنى مواقف معاكسة للموقف الأميركي.
في السياق ذاته، أطلقت نخب وفعاليات شيعية من الجنوب اللبناني نداءً موقعاً من 250 شخصية بارزة تحت شعار "الجنوب ليس جغرافيا للآخرين"، تحذر من تحويل المنطقة الجنوبية إلى ساحة صراع إقليمي جديدة، في ظل التطورات العسكرية المقلقة على حدود البلاد. طالب الموقعون الرئاسات الثلاث بتحمل مسؤولياتهم الدستورية وتكثيف الجهود الديبلوماسية لمنع تصعيد عسكري جديد، مؤكدين أن حماية الجنوب تتطلب قراراً وطنياً موحداً بعيداً عن الحسابات الإقليمية.
جاء النداء وسط قلق من احتمال توسع المواجهات العسكرية في المنطقة، حيث حذر البطريرك الماروني من أن الحروب لا تجلب سوى خسائر إنسانية فادحة، مشدداً على أن الحوار والحلول السلمية تبقى الخيار الأفضل. وأكد السفير الفرنسي في لقائه البطريرك على استمرار الجهود الدولية لتحصين الاستقرار اللبناني وتجنب أي تصعيد يهدد أمن البلاد وسيادتها.