"الغزو الإيراني للسماء الخليجية: صواريخ ومسيّرات تهز المنطقة"
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لم يكن استهداف مطارات الإمارات والبحرين والكويت مجرد “رسالة ردع” كما قد يحاول البعض تصويره، بل كان خطأً استراتيجيًا جسيمًا سيبقى أثره أبعد من ألسنة اللهب والشظايا. حين تختار دولة أن تنقل صراعها مع خصومها إلى مطارات مدنية في دول لم تعلن الحرب عليها، فهي لا توسّع دائرة الضغط فحسب، بل تفتح بابًا خطيرًا لإعادة تعريف موقعها في النظام الدولي. فالمطار ليس هدفًا عسكريًا تقليديًا، بل شريان مدني يختصر فكرة الدولة الحديثة، وحين يُستهدف، تتحول المعركة من نزاع سياسي إلى مساس مباشر بأمن المدنيين وحركة العالم.
الهجمات التي طالت الخليج جاءت في لحظة ارتباك إقليمي بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، وفي لحظة اختبار داخلي عميق للنظام الإيراني. لكن الرد عبر استهداف دول خليجية لا يمكن تبريره باعتباره دفاعًا عن النفس. الدفاع المشروع، وفق القانون الدولي، موجّه ضد مصدر التهديد المباشر، لا ضد محيط إقليمي أوسع. حين تسقط صواريخ أو شظايا على أراضٍ خليجية، فإن الرسالة التي تصل إلى العواصم العالمية ليست رسالة قوة، بل رسالة استعداد لتوسيع دائرة المخاطر إلى ما يتجاوز حدود الاشتباك الأصلي.
الأخطر من ذلك أن استهداف البنية التحتية المدنية في الخليج لا يضرب تلك الدول وحدها، بل يضرب الاقتصاد العالمي. الخليج ليس ساحة محلية معزولة، بل عقدة طيران دولية ومركز طاقة حيوي وممر تجاري عالمي. أي تعطيل لمطاراته أو موانئه ينعكس فورًا على حركة الملاحة الدولية وأسعار الطاقة وثقة الأسواق. بهذا المعنى، فإن تحويل مطارات مدنية إلى أهداف ضمن صراع سياسي هو مقامرة بتوازن اقتصادي دولي دقيق، ومغامرة قد ترتدّ بنتائج قاسية على من أطلقها قبل غيره.
قد يعتقد البعض أن توسيع دائرة الاستهداف يمنح أوراق ضغط إضافية، لكن التاريخ القريب يثبت أن ضرب العمق المدني لدول مستقرة لا يُنتج إلا اصطفافات أوسع ضد الفاعل. الخليج، الذي تعامل حتى الآن بخطاب احتواء وهدوء محسوب، قد يجد نفسه مضطرًا إلى إعادة النظر في مستوى التنسيق الأمني والدفاعي الإقليمي والدولي. وكلما اتسعت رقعة التهديد، اتسع في المقابل نطاق التحالفات المضادة له. هكذا تعمل معادلات القوة في العالم، لا بالشعارات بل بردود الفعل التراكمية.
مقتل خامنئي، إن كان قد أحدث فراغًا أو ارتباكًا داخل بنية القرار الإيراني، فإن نقل الصراع إلى أراضي الخليج لا يعالج هذا الفراغ، بل يكشفه. الدولة الواثقة من تماسكها لا تحتاج إلى توسيع ساحة المواجهة لتثبيت صورتها. أما الدولة التي تشعر بضغط داخلي أو خارجي حاد، فقد تلجأ إلى رفع السقف لخلط الأوراق. غير أن خلط الأوراق في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيًا قد يحرق أصابع الجميع.
المنطقة اليوم أمام مفترق خطير. إما أن يُعاد ضبط الصراع ضمن حدوده المباشرة، وإما أن يتحول إلى مواجهة مفتوحة تتداخل فيها المصالح الإقليمية والدولية. استهداف دول الخليج لم يغيّر ميزان القوى جذريًا، لكنه غيّر سقف المخاطر. لم يعد الحديث عن حرب بالوكالة أو ضربات محدودة، بل عن قابلية البنية المدنية في قلب الاقتصاد العالمي لأن تصبح جزءًا من المعادلة العسكرية.
الهجوم على مطارات مدنية في الخليج لن يُقرأ في كتب التاريخ كخطوة شجاعة، بل كتحول مفصلي كشف هشاشة التوازنات القديمة. وإذا كانت المنطقة قد عاشت عقودًا تحت مظلة ردع متبادل غير معلن، فإن هذه المظلة أصبحت اليوم مثقوبة. والنتيجة قد لا تكون انتصار طرف على آخر، بل دخول الجميع في مرحلة استنزاف سياسي واقتصادي لا تخدم أحدًا.
الزلزال الحقيقي ليس في عدد الصواريخ التي أُطلقت أو أُسقطت، بل في كسر قاعدة غير مكتوبة كانت تحمي المدنيين والبنى الحيوية الكبرى من أن تصبح أوراق ضغط في لعبة الأمم. وحين تُكسر القواعد، يصبح كل شيء قابلًا لإعادة التعريف، بما في ذلك موقع إيران ذاته في الإقليم والعالم. هذه ليست لحظة تسجيل نقاط، بل لحظة اختبار لعقلانية القرار. والتاريخ لا يرحم من يخلط بين الرسالة السياسية والمقامرة الاستراتيجية.