عذراً المملكة… قيادةً وشعباً حين يصمت الخطاب عن من صنع اللحظة

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

عذراً المملكة… قيادةً وشعباً  حين يصمت الخطاب عن من صنع اللحظة

ليست المشكلة في ما قيل.

المشكلة في ما لم يُقل.

في لحظة سياسية دقيقة، يعود الخطاب الحريري متحدثاً عن الدولة، والسيادة، والانفتاح العربي. كلمات كبيرة، رنانة، تحمل إرثاً طويلاً من النضال السياسي. لكن خلف هذا البناء اللفظي، يبرز غياب لافت: غياب ذكر المملكة العربية السعودية، الدولة التي احتضنت اتفاق الطائف، ورعت إعادة تكوين الجمهورية اللبنانية، ودعمت مشروع إعادة الإعمار الذي شكّل العمود الفقري للحريرية السياسية.

وهنا يصبح السؤال أخلاقياً قبل أن يكون سياسياً.

كيف يمكن الحديث عن “استعادة الدولة” من دون استحضار من كان شريكاً في إعادة تأسيسها؟

كيف يمكن استدعاء الطائف كمرجعية دستورية، مع تجاهل الجهة العربية التي رعت ولادته ووفرت له الغطاء الإقليمي والدولي؟

الصمت، أحياناً، موقف.

اتفاق الطائف لم يولد من فراغ.

ولد من قرار عربي حاسم بإنهاء الحرب اللبنانية، وكانت المملكة العربية السعودية في قلب ذلك القرار، قيادةً ومبادرةً ورعايةً.

لم تكن رعاية شكلية، بل هندسة سياسية كاملة أعادت توزيع الصلاحيات، وأعادت إنتاج الشرعية، ومنحت لبنان فرصة جديدة. ثم جاء الدعم الاقتصادي والسياسي المتواصل لعقود، ليحمي تلك الصيغة من الانهيار في أكثر من محطة.

هذا ليس رأياً.

هذا توصيف تاريخي.

ومن هنا، فإن تجاهل هذه الحقيقة في لحظة إعادة تموضع سياسي يفتح الباب أمام قراءة واحدة: إعادة صياغة الرواية.

الحريرية السياسية لم تكن مجرد زعامة انتخابية. كانت مشروعاً عربياً معتدلاً داخل لبنان، يستند إلى شبكة علاقات إقليمية واضحة، وفي مقدمتها العلاقة مع المملكة.

لكن السنوات الأخيرة حملت ارتباكاً حاداً:

انسحاب مفاجئ من الحياة السياسية، فراغ في الساحة السنية، وتفكك في البنية التنظيمية للتيار. ثم عودة خطابية لا تحسم، ولا تعتذر، ولا توضح.

حين يغيب الوضوح، يحضر الشك.

هل نحن أمام مراجعة استراتيجية للعلاقة العربية؟

أم أمام محاولة لقراءة مرحلة إقليمية جديدة تقتضي تخفيف الإشارات القديمة؟

أم أن الصمت محاولة لتفادي إحراج داخلي في معادلة لبنانية معقدة؟

أياً تكن الإجابة، يبقى الثابت أن العلاقة مع المملكة لم تكن هامشاً في المشروع الحريري، بل كانت أحد أعمدته.

عذراً المملكة العربية السعودية قيادةً وشعباً…

لأن السياسة اللبنانية، في بعض محطاتها، تتعامل مع الذاكرة كأنها عبء لا أصل.

عذراً… لأن من استفاد من دعمكم في أصعب المراحل، يتحدث اليوم عن الدولة من دون أن يذكر من دعم قيامها.

عذراً… لأن الوفاء في السياسة بات يُختصر بحسابات اللحظة.

عذراً… لأن بعض الخطابات تعيد ترتيب الأولويات، لكنها تنسى ترتيب الحقائق.

المملكة لم تكن يوماً تفصيلاً في المعادلة اللبنانية. كانت ضمانة توازن، ورافعة استقرار، ومظلة عربية في لحظات الانقسام الحاد.

الزلزال الحقيقي ليس في مقال، ولا في خطاب.

الزلزال الحقيقي هو حين تفقد القيادات قدرتها على الاتساق بين ماضيها وحاضرها.

القيادة ليست فقط القدرة على العودة، بل القدرة على الاعتراف.

ليست فقط إعادة التموضع، بل تثبيت المرجعيات.

وليست فقط قراءة المتغيرات، بل احترام الثوابت.

في عالم السياسة المتقلب، قد تكون البراغماتية ضرورة.

لكن الانتقائية في السردية مخاطرة.

والتاريخ، في النهاية، لا يُكتب بمن حضر… بل بمن كان شريكاً في صناعة اللحظة.