لبنان في امتحان الشرعية: عندما يصبح صندوق الاقتراع أخطر من الحرب

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان في امتحان الشرعية: عندما يصبح صندوق الاقتراع أخطر من الحرب

لبنان أمام امتحان الشرعية الأخير: عندما تصبح الانتخابات أخطر من الحرب. في الدول المستقرة، الانتخابات حدث دوري عادي، أما في لبنان فهي حدث وجودي يختبر معنى الدولة نفسها. المشكلة اليوم ليست مجرد خلاف على قانون انتخاب أو تفسير مادة دستورية، بل خوف عميق من نتائج صندوق الاقتراع. حين تخشى القوى السياسية نتائج الانتخابات أكثر مما تخشى الفراغ، يصبح السؤال أخطر من الاستحقاق ذاته: هل لا يزال لبنان قادرًا على إنتاج شرعية فعلية أم أنه يدير الوقت بانتظار تسوية تحفظ توازناته التقليدية؟

السجال القائم حول مكان اقتراع المغتربين، بين السفارات والأراضي اللبنانية، يبدو إداريًا وتقنيًا، لكنه في جوهره صراع على البيئة التي تُصنع فيها النتيجة. في الخارج تقل قدرة القوى السياسية على ضبط قواعدها الانتخابية، وفي الداخل ترتفع القدرة على التعبئة والتنظيم والتحكم بالإيقاع. هنا تحديدًا تكمن العقدة. ليست المسألة حق الانتشار في التصويت، فهذا حق محسوم قانونًا ودستورًا، بل من يتحكم بظروف هذا التصويت. المعارضة ترى في اقتراع الخارج فرصة لإحداث خرق في بعض الدوائر الحساسة، فيما يعتبر الثنائي الشيعي أن نقل الاقتراع إلى الداخل يحفظ تماسك كتلته الانتخابية ويمنع أي مفاجآت غير محسوبة. المعركة إذًا ليست على المبدأ بل على هامش التأثير.

منذ اتفاق الطائف، لم يكن قانون الانتخاب في لبنان مجرد أداة تنظيم ديمقراطي، بل وسيلة لإعادة إنتاج موازين القوى نفسها. كل قانون صيغ بعناية ليحفظ الحد الأدنى من استقرار المنظومة، حتى وإن تبدّلت التحالفات. الجديد اليوم هو أن الخلاف ظهر إلى العلن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، لكن التجربة اللبنانية تقول إن الانقسامات الكبرى غالبًا ما تُدار ولا تُحسم، وأن التسويات تُصاغ في اللحظة الأخيرة بما يضمن بقاء الجميع داخل اللعبة. لذلك يطفو شبح “التمديد التقني” كلما اشتد الاشتباك، وكأنه شبكة أمان سياسية تُستخدم عند الحاجة. غير أن التمديد، مهما كان توصيفه، يحمل رسالة واضحة إلى الداخل والخارج مفادها أن النظام غير قادر على إدارة تنافس مفتوح في موعده الدستوري.

استحضار انتخابات 1992 ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل تذكير بما يحدث عندما يُفرض استحقاق على مكوّن يشعر بأنه مستهدف أو مهمّش. يومها أنتجت المقاطعة خللًا تمثيليًا استمر سنوات. اليوم تختلف الظروف الديمغرافية والسياسية، لكن المخاطر أكبر لأن البلاد منهكة اقتصاديًا ومؤسساتيًا، وأي اهتزاز في شرعية الانتخابات قد يفاقم الانهيار بدل أن يوقفه. لبنان لم يعد يملك ترف التجارب غير المحسوبة، فاقتصاده على شفير التفكك، وثقة شعبه بدولته في أدنى مستوياتها، وموقعه الإقليمي حساس في لحظة تشهد فيها المنطقة تحولات عميقة في موازين النفوذ.

الأزمة في جوهرها ليست قانونية، بل أزمة ثقة وخوف متبادل من خسارة الضمانات. كل طرف يريد انتخابات بشرط ألا تغيّر قواعد توازنه، وكل فريق يسعى إلى شرعية محسوبة سلفًا. لكن الديمقراطية بطبيعتها مخاطرة، وحين تصبح المخاطرة مرفوضة تتحول الانتخابات إلى إجراء شكلي فاقد لروحه. ما يجري في بيروت لا يُقرأ فقط في سياق محلي، بل يُراقب إقليميًا ودوليًا كاختبار لقدرة دولة هشة على احترام استحقاقاتها الدستورية في زمن التحولات الكبرى. الأسواق لا تهتم بتفاصيل الاستشارات القانونية، بل تقرأ مؤشّر الاستقرار، والمجتمع الدولي لا يميّز بين تمديد تقني وتمديد سياسي، بل ينظر إلى ما إذا كانت الدولة التزمت موعدها أم لا.

لبنان يقف أمام لحظة فاصلة: إما أن تُجرى الانتخابات في موعدها ضمن تسوية تحفظ الاستقرار وتمنح النظام جرعة شرعية يحتاجها بشدة، أو يدخل البلد في دوامة تأجيل جديدة تكرّس صورة دولة عاجزة عن إدارة تنافسها الداخلي. السؤال لم يعد أين يصوّت المغتربون ولا كيف تُفسَّر مادة في القانون، بل هل ما زال النظام اللبناني قادرًا على تنظيم انتخابات لا يخشاها أحد؟ إذا كان الجواب نعم فذلك إعلان بأن الدولة ما زالت تملك قدرة الحد الأدنى على تجديد نفسها، أما إذا كان الجواب تأجيلًا إضافيًا فسيكون ذلك اعترافًا بأن أزمة الشرعية أعمق من نص قانون، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن في صندوق الاقتراع بل في الهروب منه.