لبنان في قلب الحرب… والجيش خط أحمر والدولة أمام لحظة القرار

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان في قلب الحرب… والجيش خط أحمر والدولة أمام لحظة القرار

في أوقات الاستقرار تستطيع الدول أن تؤجل الأسئلة الكبرى. تستطيع أن تدير التوازنات، وأن تعيش في مناطق رمادية بين النص والواقع، وبين القرار والظرف. لكن الحروب لا تسمح بهذه الرفاهية. فعندما يقترب صوت المدافع من الحدود، تُجبر الدول على مواجهة السؤال الذي حاولت طويلاً تأجيله: من يملك القرار النهائي في لحظة الخطر؟

لبنان اليوم يقف مرة أخرى أمام هذا السؤال الثقيل.

المواجهة المتصاعدة على حدوده الجنوبية ليست مجرد حدث عسكري عابر في تاريخ منطقة اعتادت التوتر. ما يجري أكبر من ذلك بكثير. إنها لحظة اختبار عميقة لبنية الدولة اللبنانية نفسها: قدرتها على إدارة أخطر الملفات، وحدود سيادتها، ومدى تماسك مؤسساتها في زمن تتسارع فيه التحولات الإقليمية.

وسط هذا المشهد المضطرب، يبقى الجيش اللبناني خارج أي سجال. فهذه المؤسسة ليست مجرد جهاز عسكري ضمن أجهزة الدولة، بل هي أحد أعمدتها الأساسية. في بلد عرف الانقسامات والحروب الأهلية والاهتزازات السياسية، بقي الجيش رمزاً نادراً لوحدة اللبنانيين، وحارساً لفكرة الدولة عندما كانت الدولة نفسها تمر بأصعب لحظاتها.

ولهذا السبب تحديداً يجب أن يبقى الجيش فوق التجاذبات، لأن الدول التي تضع مؤسساتها العسكرية في قلب الصراع السياسي تفقد آخر عناصر تماسكها. إن حماية الجيش من السجال ليست مجاملة لمؤسسة، بل حماية لفكرة الوطن نفسه.

لكن حماية المؤسسة شيء، وطرح الأسئلة الوطنية الكبرى شيء آخر

فلبنان يعيش منذ سنوات طويلة معادلة معقدة: دولة بقرارات واضحة على الورق، وواقع سياسي وأمني شديد التعقيد على الأرض. هذه المعادلة سمحت للبلاد بالبقاء ضمن توازنات دقيقة، لكنها في الوقت نفسه أبقت سؤال السيادة معلقاً بين النصوص الدستورية وتعقيدات الواقع الإقليمي.

في زمن السلم قد تستطيع الدول التعايش مع هذه المناطق الرمادية. أما في زمن الحروب، فإن كل منطقة رمادية تتحول إلى مساحة خطرة.

فالشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرباً عادية، بل مرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الاستراتيجية. خرائط النفوذ، وأنماط الردع، ومعادلات القوة كلها تخضع لإعادة اختبار قاسية. وفي مثل هذه اللحظات، تكون الدول الصغيرة الأكثر عرضة لأن تتحول إلى خطوط تماس في صراعات أكبر منها.

لبنان يعرف هذا المصير جيداً. تاريخه الحديث يكاد يكون مرآة لكل الحروب التي مرّت في المنطقة. من الحرب الأهلية إلى الصراعات الإقليمية المتعاقبة، كان هذا البلد غالباً في قلب العاصفة لا على هامشها.

لكن رغم كل تلك العواصف، بقيت هناك حقيقة ثابتة: كلما تراجعت الدولة، ازداد خطر تحوّل لبنان إلى ساحة. وكلما استعادت الدولة دورها، استطاع البلد أن يلتقط أنفاسه ويعيد التوازن إلى داخله.

اليوم يعود هذا التحدي بشكل أكثر حدة.

ليس لأن لبنان يريد الحرب، بل لأن الحروب في هذه المنطقة كثيراً ما تتجاوز إرادة الدول الصغيرة. وعندما يحدث ذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس كيف تبدأ الحروب، بل كيف تستطيع الدول حماية قرارها الوطني وسطها.

إن الجيوش في كل دول العالم هي أداة الدولة في حماية السيادة، لكنها ليست بديلاً عن القرار السياسي. فالجندي يمكنه أن يحمي الحدود، لكنه لا يرسم الاستراتيجية الوطنية. وهذه مسؤولية تقع بالكامل على عاتق القيادة السياسية بكل مؤسساتها.

وهنا تحديداً تكمن اللحظة المفصلية التي يعيشها لبنان اليوم.

فالبلاد بحاجة إلى وضوح وطني عميق يعيد ترتيب العلاقة بين القرار السياسي والأمن القومي، ويضع استراتيجية واضحة تحمي لبنان من أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين.

لبنان لا يحتاج اليوم إلى لغة الانقسام، بل إلى لغة الدولة. ولا يحتاج إلى سجالات إضافية، بل إلى رؤية وطنية جامعة تعيد تثبيت حقيقة بسيطة لكنها أساسية: أن قوة أي بلد لا تُقاس فقط بقدراته العسكرية، بل بوضوح قراره السياسي ووحدة مرجعيته السيادية.

فالجيش يستطيع أن يحمي الوطن، لكن الدولة وحدها تستطيع أن تحدد إلى أين يتجه هذا الوطن.

وفي زمن تتغير فيه خرائط المنطقة بسرعة غير مسبوقة، يبقى السؤال الذي سيحدد مصير لبنان في السنوات المقبلة سؤالاً واحداً لا يمكن الهروب منه:

هل يستطيع لبنان أن يبقى دولة تقرر مصيرها، أم أنه سيبقى بلداً يعيش دائماً على خط الزلازل الإقليمية؟