حين يُكافَأ الصمت وتُعاقَب المواجهة: ماذا خسرت السعودية بترك طرابلس

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

حين يُكافَأ الصمت وتُعاقَب المواجهة: ماذا خسرت السعودية بترك طرابلس
حين يُكافَأ الصمت وتُعاقَب المواجهة: ماذا خسرت السعودية بترك طرابلس

ليست كل المدن التي تُهمل ضحية صدفة.

بعضها يُترك عمداً، لأن بقاؤه حيّاً ومطالباً يشكّل إزعاجاً سياسياً.

طرابلس، كبرى مدن شمال لبنان، ليست مدينة فشلت، بل مدينة فُرض عليها الفشل. فشلت لأن من واجهت نيابةً عن العرب، تُركت بلا غطاء، وبلا مشروع، وبلا اعتراف.

السؤال الذي بات يتردّد في الشارع العربي اليوم ليس استفزازياً، بل أخلاقي–سياسي:

كيف تُترك مدينة سنّية كبرى، واجهت المشروع الإيراني بالدم، خارج أي رؤية عربية، وخصوصاً السعودية؟

طرابلس ليست مدينة “خارجة عن السيطرة” كما صُوّرت طويلاً.

هي مدينة خرجت عن الصمت.

دفعت ثمن ذلك تفجيرات في المساجد، وقتلى أثناء صلاة الجمعة، ودماء سالت في أحياء فقيرة تُركت بلا دولة. لم تكن هذه حروب عبثية، بل نتيجة مباشرة لمدينة وُضعت في خط النار، ثم أُدير لها الظهر.

في الوقت الذي كانت فيه عواصم عربية تحسب خطواتها بدقة، كانت طرابلس تحترق.

وفي الوقت الذي كانت فيه التسويات تُطبخ إقليمياً، كان شباب طرابلس يُدفنون.

ومع ذلك، لم تُكافأ المدينة.

بل عوقبت بالإهمال.

لا مشروع سعودي واحد غيّر وجه طرابلس.

لا استثمار استراتيجي أنقذ شبابها من الفقر.

لا مبادرة سياسية حقيقية أعادت لها وزنها.

وهنا بيت القصيد:

هل كانت المشكلة في طرابلس… أم في وضوحها؟

المدينة التي لم تُخفِ موقفها،

التي لم تساوم،

التي لم تُجامل السلاح،

باتت عبئاً لا ورقة.

في الشرق الأوسط الجديد، يبدو أن من يواجه علناً يخسر، ومن يصمت يُكافأ.

الأخطر من الإهمال هو الرسالة التي حملها:

لا تقاتل وحدك، لأنك إن فعلت… قد تُترك.

هذه الرسالة لا تضرب طرابلس وحدها، بل تضرب فكرة أي مواجهة عربية مستقلة مع المشاريع الإقليمية العابرة للحدود. فهي تقول بوضوح: الدم لا يضمن الشراكة، والموقف لا يضمن الحماية.

وما يزيد المشهد قتامة، أن الفراغ الذي تركه الغياب العربي لم يبقَ فارغاً. قوى أخرى دخلت:

بالخدمات

بالإعلام

وبالخطاب الأيديولوجي

لا لأنها أقوى أخلاقياً، بل لأنها حضرت حيث غاب الآخرون.

طرابلس لم تطلب المستحيل.

لم تطلب سلاحاً ولا صداماً ولا تمويلاً سياسياً.

طلبت فقط أن تُعامل كمدينة قررت أن تكون في صفّ العرب… لا على هامشهم.

لكن ما حدث هو العكس:

قُدّمت المدينة قرباناً لصمت إقليمي،

وتُركت تواجه الفقر، والتشويه، والاتهام الدائم.

اليوم، من حق الرأي العام العربي أن يسأل:

هل كان ثمن دعم طرابلس أعلى من ثمن خسارتها؟

وهل يُدار النفوذ العربي بترك المدن التي واجهت، أم ببنائها؟

التاريخ لا يرحم الصمت الطويل.

والمدن التي تُترك لا تختفي… بل تتغيّر، وغالباً في اتجاه لا يخدم أحداً.

طرابلس ما زالت واقفة.

لكنها تسأل، بصوتٍ عالٍ هذه المرة:

لماذا تُركت؟

خاتمة صادمة

هذه ليست مقالة حنين،

ولا شكوى مدينة فقيرة،

بل إنذار سياسي:

من يترك حلفاءه في العراء، سيفقدهم… وسيفقد ما كانوا يقاتلون من أجله.