الصاروخ الذي كسر الثقة: كيف خسرت إيران جيرانها في لحظة الحرب"
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
في لحظات التوتر الكبرى في التاريخ، تُقاس الحكمة السياسية بقدرة الدول على تجنب الحروب لا إشعالها. وفي الأزمة المتصاعدة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، كان كثيرون في المنطقة يأملون أن تنجح الجهود الدبلوماسية في إبعاد الشرق الأوسط عن مواجهة قد تحرق الجميع.
المفارقة المؤلمة أن بعض الدول الخليجية كانت من أكثر الأطراف حرصاً على منع هذا السيناريو. فقد بذلت جهوداً سياسية هادئة لإقناع واشنطن بأن خيار الحرب مع إيران لن يجلب الاستقرار للمنطقة، وأن الحوار والدبلوماسية قد يكونان الطريق الأقل كلفة للجميع. تلك الجهود لم تكن مجرد موقف سياسي، بل تعبيراً عن إدراك عميق بأن أي حرب واسعة في الخليج ستنعكس مباشرة على شعوب المنطقة واقتصاد العالم.
لكن ما حدث لاحقاً طرح سؤالاً صعباً: كيف تتحول الدول التي حاولت تجنب الحرب إلى أهداف للصواريخ؟
ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تخوض مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، اتجهت بعض الضربات نحو أراضي دول خليجية بحجة استهداف قواعد أمريكية. هذه المعادلة تضع المنطقة أمام مفارقة خطيرة: دول لم تدخل الحرب تجد نفسها فجأة جزءاً منها، ودول حاولت تهدئة الصراع تصبح ساحة لتوسعه.
في العلاقات الدولية، يُفترض أن تحترم الدول مبدأ أساسيًا هو عدم نقل صراعاتها إلى أراضي الجيران. فالجوار ليس مجرد حدود جغرافية، بل شبكة معقدة من المصالح الأمنية والاقتصادية التي تجعل الاستقرار المشترك ضرورة لا خياراً. وعندما تتعرض دول محايدة أو ساعية للتهدئة لهجمات بسبب صراع لا تشارك فيه مباشرة، فإن ذلك يضرب أساس الثقة الإقليمية.
المشكلة الأكبر أن مثل هذه الخطوات لا توسّع الحرب فحسب، بل تعمّق عزلة الدولة التي تقوم بها. فالدول التي كانت تحاول فتح قنوات للحوار قد تجد نفسها مضطرة لإعادة حساباتها، والدول التي سعت إلى التهدئة قد تعيد تقييم ثقتها بالضمانات السياسية.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم على حافة مرحلة خطيرة. فكل صاروخ يسقط خارج ساحة المعركة الأصلية يوسّع دائرة الأزمة، وكل قرار متسرع قد يحوّل نزاعاً محدوداً إلى مواجهة إقليمية واسعة. ولهذا فإن الحكمة السياسية تقتضي العودة إلى قاعدة بسيطة: لا يمكن كسب الحروب عبر خسارة الجيران.
ربما لا تزال هناك فرصة لإعادة الأمور إلى مسار مختلف، لكن ذلك يتطلب إدراكاً واضحاً بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى عبر توسيع ساحات الحرب. فالدول التي حاولت منع الصراع لا ينبغي أن تصبح ضحاياه، والاستقرار الإقليمي لن يتحقق إلا عندما تُحترم سيادة الدول وحدودها في زمن الأزمات كما في زمن السلام.