"من رفيق إلى سعد… اغتيالان في لبنان: واحد بالدم وآخر بالصمت"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

"من رفيق إلى سعد… اغتيالان في لبنان: واحد بالدم وآخر بالصمت"

في لبنان، لا تُقاس التواريخ بالأيام، بل بالمعاني. و14 شباط ليس ذكرى عابرة في الذاكرة الوطنية، بل جرحًا مفتوحًا، ورسالة مستمرة، وامتحانًا دائمًا لضمير الدولة والمجتمع. في هذا اليوم اغتيل الرئيس رفيق الحريري، فاغتيل معه مشروع الدولة، وحلم اللبنانيين بالاستقرار، والأمل بقيام وطن طبيعي خارج منطق الاغتيال والفوضى والهيمنة. واليوم، بعد سنوات، يتكرّر المشهد بصيغة مختلفة: محاولة اغتيال سياسية ممنهجة لسعد الحريري، تستهدف دوره، وموقعه، ورمزيته، وحضوره في الحياة العامة، وكأن المطلوب قتل المشروع نفسه مرتين، مرة بالمتفجّرات، ومرة بالإقصاء والتهميش.

ما يتعرّض له سعد الحريري ليس خلافًا سياسيًا عاديًا، ولا نتيجة تنافس ديمقراطي طبيعي، بل عملية منظمة لتفريغ الطائفة السنية من قيادتها، وإضعاف موقعها في الدولة، وتحويلها إلى مكوّن بلا قرار ولا مرجعية. منذ سنوات، تُمارس ضغوط داخلية وخارجية، سياسية وإعلامية واقتصادية، لدفعه إلى الانسحاب، وكسر حضوره، وتشويه صورته، وإظهاره كعبء بدل أن يكون ركيزة. هذا المسار لا يستهدف شخصًا، بل يستهدف شريحة كاملة من اللبنانيين، وخيار الاعتدال، وفكرة الدولة المتوازنة.

من هنا، يصبح النزول في 14 شباط فعلًا سياسيًا ووطنيًا وأخلاقيًا. ليس حشدًا عاطفيًا، ولا استعراضًا جماهيريًا، ولا حنينًا إلى الماضي، بل إعلان موقف واضح: نحن نرفض أن نُهمَّش، نرفض أن نُقصى، نرفض أن يُصادر قرارنا، نرفض أن نُعامل كطرف زائد عن الحاجة. النزول هو رسالة بأن الطائفة السنية لا تزال حيّة، واعية، موحّدة حول خيارها، ومتمسكة بدورها في الدولة، وبشراكتها في الوطن.

رغم كل الحملات، ورغم كل محاولات التفكيك، يبقى سعد الحريري حتى اليوم الممثل الأوسع والأكثر شرعية للسنّة في لبنان. لم ينجح أحد في تقديم بديل حقيقي يملك القاعدة الشعبية نفسها، والامتداد الوطني نفسه، والعلاقات العربية والدولية نفسها، والتجربة السياسية نفسها. كل ما طُرح حتى الآن كان مشاريع مؤقتة، وأسماء عابرة، ومحاولات مصطنعة لم تصمد أمام الواقع. الفراغ الذي قد يتركه الحريري لن يُملأ بسهولة، بل سيفتح الباب أمام الفوضى، والتشرذم، والتطرّف، وانهيار التوازن الوطني.

قضية 14 شباط ليست قضية طائفية، بل قضية وطنية بامتياز. في بلد قائم على التوازنات الدقيقة، لا يمكن كسر مكوّن من دون أن ينهار الهيكل كله. عندما يُضعف موقع السنّة، يختلّ الميزان، وتُفتح أبواب الأزمات، وتدخل الدولة في دوامة بلا نهاية. الدفاع عن سعد الحريري هو دفاع عن فكرة الشراكة، وعن الدولة، وعن الاعتدال، وعن الاستقرار. هو دفاع عن لبنان الذي نعرفه، لا عن لبنان الفوضى والمحاور.

إلى اللبنانيين جميعًا، من مختلف الطوائف والمناطق، الرسالة واضحة: ما يجري اليوم مع سعد الحريري قد يتكرّر غدًا مع غيره. اليوم يُقصى زعيم، وغدًا يُقصى مكوّن، وبعد غد تُقصى الدولة كلها. الصمت اليوم يعني القبول بمنطق الإلغاء، والتسليم بسياسة كسر الشركاء، والموافقة الضمنية على تفكيك الوطن قطعة قطعة. 14 شباط ليس يومًا سنّيًا فقط، بل يوم دفاع عن فكرة لبنان.

إلى الخارج، إلى العواصم العربية والدولية، يجب أن تُفهم الحقيقة بوضوح: لبنان لا يُدار بالفراغ، ولا يُحكم بالتهميش، ولا يستقرّ بإضعاف الاعتدال. سعد الحريري يمثّل خطًا سياسيًا متوازنًا، منفتحًا، مرتبطًا بالعالم العربي، ومقبولًا دوليًا. ضرب هذا الخط هو مغامرة خطيرة، سيدفع ثمنها الجميع، وسيحوّل لبنان إلى ساحة صراعات مفتوحة بدل أن يكون مساحة توازن.

رغم الاغتيال، لم يمت رفيق الحريري. بقي حيًا في مشروعه، في المدارس والجامعات والمستشفيات، في فكرة الدولة الحديثة، في حلم اللبنانيين بوطن طبيعي. وسعد الحريري هو الامتداد الطبيعي لهذا المشروع. استهدافه هو محاولة لقتل هذا الحلم مرة ثانية، وإقفال آخر نافذة أمل أمام قيام دولة فعلية.

في 14 شباط، لا يخرج الناس للبكاء، بل للقول بوضوح: لن نُهمَّش، لن نُكسَر، لن نُمحى، لن نُصادَر. نخرج لنؤكّد أن قرارنا بأيدينا، وأن خيارنا هو الاعتدال، والدولة، والشراكة، والاستقرار. نخرج لنقول إن سعد الحريري ليس تفصيلًا عابرًا، بل ركيزة وطنية، وإن تغييبَه يعني فتح الباب على مرحلة مجهولة العناوين.

 شباط هو يوم الكرامة، لا يوم الحداد. يوم الموقف، لا يوم الصمت. يوم الدفاع عن لبنان، لا يوم الاستسلام. ومن هذا اليوم يبدأ رسم مستقبل البلد: إمّا دولة عادلة متوازنة، وإمّا فوضى بلا حدود. والاختيار يبدأ من الشارع.