تحذير للبنانيين: ماذا يخفي خطاب التعبئة الجديد لحزب الله؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ليست المشكلة في أن يهاجم كاتبٌ رئيس الجمهورية أو رئيس الحكومة. ففي الأنظمة الديمقراطية، النقد حق مشروع، بل ضرورة وطنية. المشكلة تبدأ عندما يتحول النقد إلى منصة لإعادة تعريف الدولة نفسها، وعندما يصبح السلاح بديلاً عن الشرعية، والولاء لمحور إقليمي بديلاً عن الولاء للمؤسسات الوطنية.
هذا تحديداً ما تكشفه القراءة المتأنية للمقال الأخير الصادر من داخل المنظومة الإعلامية المؤيدة لمليشيات حزب الله.
للوهلة الأولى يبدو النص هجوماً على الرئيس جوزيف عون ونواف سلام. لكن القراءة العميقة تظهر أن الرجلين ليسا الهدف الحقيقي. الهدف أبعد من ذلك بكثير. الهدف هو تحضير البيئة الحاضنة لحزب الله نفسياً وسياسياً لمرحلة جديدة يتم فيها تصوير الدولة اللبنانية باعتبارها عقبة أمام مشروع السلاح، لا مرجعية له.
إن أخطر ما في المقال ليس اللغة الحادة ولا الاتهامات الثقيلة، بل محاولة نقل الشرعية من الدولة إلى التنظيم المسلح.
ففي كل سطر تقريباً، يتم بناء معادلة واحدة:
الدولة عاجزة.
الدولة لا تحمي.
الدولة تتراجع.
أما السلاح، فهو وحده الضامن للأمن والكرامة والوجود.
هذه ليست مصادفة لغوية. إنها عملية سياسية متكاملة تهدف إلى ترسيخ قناعة لدى الجمهور بأن بقاء لبنان مرهون ببقاء سلاح حزب الله، لا بقيام دولة قوية قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
فالكاتب يهاجم السلطة لأنها لا تواجه إسرائيل كما يجب، لكنه يتجنب السؤال الذي يواجهه لبنان منذ عقود: كيف يمكن بناء دولة فعلية إذا كان قرارها الاستراتيجي موزعاً بين المؤسسات الرسمية وتنظيم عسكري يمتلك أجندته وتحالفاته الخاصة؟
لا توجد دولة حديثة في العالم تستطيع العيش طويلاً في ظل سلطتين وشرعيتين وقرارين أمنيين متوازيين.
التاريخ لا يقدم استثناءات كثيرة لهذه القاعدة.
من العراق إلى اليمن، ومن ليبيا إلى غيرها، كانت البداية دائماً بتبرير وجود السلاح خارج الدولة، وكانت النهاية تآكلاً تدريجياً لمفهوم الدولة نفسها.
لهذا فإن ما يثير القلق في هذا الخطاب ليس دفاعه عن حزب الله، فهذا حق سياسي يمكن النقاش حوله، بل سعيه إلى تحويل أي مشروع لبناء دولة ذات سيادة كاملة إلى مشروع مشبوه أو خاضع أو متواطئ.
إنها محاولة لإقناع اللبنانيين بأن الدولة هي المشكلة، وأن السلاح هو الحل.
فالدول لا تنهار عندما تضع السلاح تحت سلطة القانون، بل تنهار عندما يصبح القانون خاضعاً للسلاح.
والأمم لا تُبنى على الولاءات العابرة للحدود، بل على عقد وطني جامع يساوي بين جميع المواطنين تحت سلطة واحدة وقرار واحد.
من هنا، فإن المعركة الحقيقية في لبنان اليوم ليست بين جوزيف عون وخصومه، ولا بين حكومة ومعارضة، بل بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل البلاد:
رؤية ترى أن الدولة، رغم ضعفها وأخطائها، هي الإطار الوحيد القادر على حماية الجميع.
ورؤية أخرى تعتبر أن شرعية القوة المسلحة تتقدم على شرعية المؤسسات كلما تعارض الاثنان.
هذا هو جوهر الصراع.
أما الأسماء والبيانات والتصريحات، فليست سوى تفاصيل في معركة أكبر بكثير: معركة تحديد من يحكم لبنان فعلاً، ومن يملك القرار النهائي في الحرب والسلم، ومن يحدد مستقبل الأجيال المقبلة.
وعندما يصل أي بلد إلى هذه اللحظة المفصلية، لا يعود السؤال من ربح جولة إعلامية أو سجالاً سياسياً. السؤال يصبح أكثر خطورة:
هل ما زالت الدولة هي المرجع الأعلى، أم أننا أمام محاولة جديدة لإقناع اللبنانيين بأن الدولة مجرد تفصيل يمكن تجاوزه عندما يتعارض مع مشروع السلاح؟
هذه هي الحقيقة التي يخفيها الخطاب التعبوي خلف ضجيج الشعارات والغضب والانفعالات. وهذه هي القضية التي ستحدد مستقبل لبنان أكثر من أي خطاب أو بيان أو معركة سياسية عابرة.