العالم بعد فنزويلا: حين أسقطت أمريكا دولة كاملة ووقّعت على عصرٍ بلا سيادة

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

العالم بعد فنزويلا: حين أسقطت أمريكا دولة كاملة ووقّعت على عصرٍ بلا سيادة

في مشهد بدا أقرب إلى أفلام الجيوسياسة الثقيلة، تابع دونالد ترامب من منتجعه في مار-إيه-لاغو البث المباشر لعملية عسكرية خاطفة، أنهت وجود نيكولاس مادورو في قصر الرئاسة الفنزويلي، وأسدلَت الستار على فصلٍ كامل من حكمٍ طالما أقلق واشنطن.

لم يكن ترامب يخفي انبهاره. فالرجل الذي يهوى الانتصارات السريعة، وجد أمامه عرضاً مثالياً لقوة أميركية تعمل بلا تردّد. وفي تصريحاته لقناة فوكس نيوز، بدا واضحاً أن الرسالة لم تكن موجهة للداخل الأميركي فحسب، بل للعالم بأسره:

الولايات المتحدة لا تزال قادرة على الحسم، وبأقصى سرعة.

ترامب، الذي بنى خطابه السياسي على فكرة “النتائج الفورية”، كان في أمسّ الحاجة إلى نصر ملموس. فبعد وعوده الصاخبة بإنهاء الحرب الروسية–الأوكرانية خلال يوم عمل واحد، جاء الملف الفنزويلي ليقدّم له ما يشبه “الضربة النظيفة”: خصمٌ ضعيف، ساحة بعيدة، وموارد مغرية.

فنزويلا، الدولة الغنية بالنفط والمستنزفة سياسياً، تحولت فجأة إلى عنوان رئيسي لما يمكن تسميته العودة الصريحة للهيمنة الأميركية. مادورو خلف القضبان في بروكلين، والإدارة الجديدة في كراكاس تتحرك تحت المظلة الأميركية، بينما يُعاد رسم مستقبل البلاد من مكاتب واشنطن.

الأكثر إثارة للجدل لم يكن سقوط النظام بحد ذاته، بل ما أُعلن بعده. فقد أكد ترامب أن فنزويلا، بنسختها السياسية الجديدة، ستبدأ بتصدير ملايين البراميل من النفط، وأن الولايات المتحدة لن تكتفي بالحماية السياسية والعسكرية، بل ستشرف مباشرة على توجيه عائدات هذه الثروة.

هنا، لم يعد الأمر مجرد تغيير نظام، بل إعادة تعريف للسيادة.

هل نحن أمام تحرير دولة؟

أم أمام نموذج مُحدّث لإدارة الموارد بالقوة؟

أنصار ترامب يرون في ما حدث رسالة ردع قاسية لكل من يراهن على إنهاك الولايات المتحدة أو تجاهل إرادتها. أما خصومه، فيرون أن واشنطن دخلت مرحلة أكثر جرأة، حيث تُسقِط الحكومات وتُعيد هندسة الدول تحت عناوين “الاستقرار” و”المصلحة الدولية”.

في كل الأحوال، ما جرى في فنزويلا لن يبقى شأناً محلياً أو أميركياً. إنها سابقة جديدة، تُراقَب بعناية من موسكو وبكين، وتُقرأ بقلق في عواصم أمريكا اللاتينية، وتُطرح كسؤال مفتوح أمام العالم العربي:

هل عاد عصر الانقلابات الكبرى… ولكن ببدلة دبلوماسية حديثة؟