"سرقة الديمقراطية على المكشوف: القوى السياسية تخنق إرادة اللبنانيين"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

"سرقة الديمقراطية على المكشوف: القوى السياسية تخنق إرادة اللبنانيين"

إذا خفتم من صناديق الاقتراع فقولوا ذلك صراحة. في لبنان لم تعد الأزمة محصورة بالسلاح ولا بالاقتصاد ولا حتى بالتجاذبات الإقليمية، بل أصبحت أزمة ثقة عميقة بين السلطة والناس. حين يبدأ الهمس السياسي حول تأجيل الانتخابات النيابية المقررة في العاشر من أيار تحت عناوين تبدو سيادية كحصرية السلاح أو استكمال ترتيبات أمنية، نكون أمام انزلاق خطير يتجاوز النقاش التقني إلى جوهر النظام نفسه. فهل تحوّل حق اللبناني في الاقتراع إلى تفصيل يمكن تأجيله بقرار سياسي؟ وهل أصبحت الديمقراطية بنداً ظرفياً يُفعّل أو يُعطّل وفق توازنات اللحظة؟

لا أحد ينكر أن ملف السلاح مسألة مصيرية تتصل بمفهوم الدولة وسيادتها، لكن تحويل هذا الملف إلى شرط مسبق لإجراء الانتخابات يفتح باباً لا يمكن إغلاقه لاحقاً. لأن المنطق نفسه يمكن استخدامه غداً لتأجيل أي استحقاق بحجة أزمة مالية أو توتر أمني أو انتظار تسوية إقليمية. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: حين يصبح الموعد الدستوري خاضعاً للتقدير السياسي، تفقد الديمقراطية صفتها كحق ثابت وتتحول إلى أداة قابلة للتأجيل. الدولة القوية لا تبني سيادتها عبر تعليق إرادة شعبها، بل عبر تجديد شرعيتها من خلال صندوق الاقتراع. أما الدولة التي تربط الانتخابات باستكمال شروط خارجية أو داخلية، فهي تعترف ضمنياً بأنها تخشى نتائجها.

الحقيقة التي لا يريد كثيرون قولها بصوت مرتفع هي أن جزءاً من الطبقة السياسية لا يشعر بالارتياح تجاه الذهاب إلى انتخابات في هذا التوقيت. البعض يخشى تراجعاً شعبياً بعد سنوات من الانهيار المالي والاجتماعي، البعض ينتظر تبدلاً في المعادلات الإقليمية يعيد خلط الأوراق، البعض يفضّل إعادة صياغة قواعد اللعبة قبل الدخول إليها، والبعض الآخر يراهن على إنهاك خصومه سياسياً قبل المواجهة. لكن بدلاً من مصارحة اللبنانيين بهذه الحسابات، يجري تغليف المسألة بعناوين سيادية وأمنية توحي بأن التأجيل خطوة إنقاذية، فيما هي في جوهرها خطوة احترازية لحماية مواقع ونفوذ.

الأخطر أن هذا النقاش يبعث برسالة قاتمة إلى الداخل والخارج معاً. إلى الداخل مفادها أن صوت المواطن يمكن أن يُعلّق إذا تعارض مع حسابات القوى النافذة. وإلى الخارج مفادها أن النظام السياسي اللبناني غير قادر على احترام مواعيده الدستورية دون انتظار ضوء أخضر أو تبدل ظرف. أي إصلاح اقتصادي، أي تفاوض مع مؤسسات دولية، أي مؤتمر دعم، يفقد جزءاً من صدقيته إذا بدا أن السلطة نفسها مترددة في العودة إلى الشعب. فالشرعية ليست تفصيلاً إجرائياً، بل هي الأساس الذي يُبنى عليه أي تعافٍ سياسي أو مالي.

إن أخطر ما يمكن أن يترسخ في الوعي الجماعي هو أن الانتخابات أصبحت ترفاً يمكن تأجيله حتى إشعار آخر. اللبنانيون الذين تحمّلوا الانهيار المصرفي، وفقدان مدخراتهم، وانقطاع الخدمات، وهجرة أبنائهم، يُطلب منهم اليوم أن يتحمّلوا أيضاً تأجيل حقهم في الاختيار. هذا ليس نقاشاً تقنياً حول آلية اقتراع أو تفسير مادة قانونية، بل هو سؤال وجودي: هل ما زال الشعب مصدر السلطات فعلاً، أم أصبح مصدر إزعاج يُدار توقيته سياسياً؟

إذا كانت أي قوة سياسية واثقة من شرعيتها، فلتذهب إلى الانتخابات. إذا كانت مقتنعة بأن جمهورها ما زال يمنحها التفويض، فلتحتكم إلى الصندوق. أما ربط الاستحقاق بحسم ملفات أخرى، مهما كانت أهميتها، فهو اعتراف غير مباشر بأن الشرعية الشعبية لم تعد مضمونة بالكامل. الديمقراطية لا تُمارس عندما تكون النتائج مريحة فقط، ولا تُؤجَّل عندما تصبح النتائج محفوفة بالمخاطر. لحظة العاشر من أيار ليست مجرد موعد انتخابي، بل اختبار لنضج النظام وقدرته على احترام أبسط قواعد اللعبة التي يقوم عليها.

لبنان اليوم أمام مفترق واضح: إما أن يثبت أن دستوره ليس ورقة قابلة للتأجيل، وأن إرادة شعبه ليست رهينة توازنات السلاح والضغوط، وإما أن يدخل مرحلة يصبح فيها كل استحقاق قابلاً للتعليق بقرار سياسي. وإذا حدث ذلك، فلن تكون المشكلة في سلاح هنا أو أزمة هناك، بل في سقوط المعنى نفسه للدولة. الشجاعة السياسية لا تكون في إدارة التأجيل، بل في مواجهة الناس والقبول بحكمهم. وصندوق الاقتراع، مهما كانت نتائجه، يبقى أقل خطراً من فتح باب يصبح فيه تأجيل إرادة الشعب أمراً عادياً.