لبنان بين نارين: حرب في الجنوب… وتمديد للسلطة في بيروت"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

لبنان بين نارين: حرب في الجنوب… وتمديد للسلطة في بيروت"

لم تكن الحرب الأخيرة في الإقليم حدثاً عابراً في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. لكنها في لبنان بدت أكثر من مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل ومحور تقوده إيران. في الداخل اللبناني تحوّلت الحرب إلى عامل سياسي حاسم أعاد ترتيب أولويات السلطة، وفتح الباب أمام قرار كان يُعدّ حتى وقت قريب من أكثر القرارات إحراجاً للنظام السياسي: تمديد ولاية مجلس النواب.

لم يكن التمديد فكرة طارئة وُلدت مع الحرب. في الكواليس السياسية اللبنانية كان هذا الخيار مطروحاً منذ أشهر، نتيجة عجز القوى السياسية عن الاتفاق على آليات انتخابية جديدة، وتعقيدات تتعلق باقتراع المغتربين، إضافة إلى القلق المتزايد من نتائج انتخابات قد تعيد رسم التوازنات داخل البرلمان. لكن ما كان ينقص هذه الفكرة هو المبرر السياسي الذي يسمح بتمريرها دون انفجار داخلي واسع.

ثم جاءت الحرب.

في لحظة إقليمية مشتعلة، حيث تتقاطع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مع حسابات إيران وحلفائها، وجد النظام السياسي اللبناني نفسه أمام فرصة نادرة. الحرب التي تهدد الأمن والاستقرار باتت أيضاً ذريعة جاهزة لتعليق الاستحقاقات الديمقراطية. وهكذا تحوّل التمديد من قرار سياسي مثير للجدل إلى إجراء يمكن تسويقه تحت عنوان «الضرورة الوطنية».

في لبنان، نادراً ما تُتخذ القرارات الكبرى على المنابر. غالباً ما تُصنع في الغرف المغلقة، حيث تلتقي مصالح متناقضة ظاهرياً لكنها تتقاطع عند نقطة واحدة: حماية التوازنات القائمة. لهذا لم يكن مفاجئاً أن يظهر شبه إجماع غير معلن بين قوى سياسية متخاصمة على خيار التمديد، رغم استمرار الخطابات العلنية الرافضة له.

هذه المفارقة تكشف طبيعة النظام السياسي اللبناني نفسه. نظام يقوم على التوازنات الدقيقة أكثر مما يقوم على قواعد الديمقراطية التنافسية. وعندما تهتز البيئة الإقليمية، تصبح الأولوية القصوى للنخبة السياسية هي الحفاظ على الاستقرار السياسي الداخلي، حتى لو كان الثمن تعليق قواعد اللعبة الديمقراطية.

لكن المشكلة لا تكمن فقط في التمديد بحد ذاته، بل في السياق الذي يحدث فيه. فلبنان اليوم يقف على حافة تحولات استراتيجية خطيرة. في الجنوب، يتصاعد التوتر العسكري إلى مستويات غير مسبوقة منذ سنوات. الحديث عن مناطق عازلة أو عمليات عسكرية أوسع لم يعد مجرد تكهنات عسكرية بل أصبح جزءاً من النقاشات الواقعية داخل الدوائر السياسية والدبلوماسية.

وفي الوقت نفسه، تكشف التطورات الميدانية عن معضلة سيادية عميقة تواجه الدولة اللبنانية. فالحكومة تعلن قرارات، والجيش يحاول تنفيذها، لكن الواقع على الأرض غالباً ما تحدده توازنات القوة خارج مؤسسات الدولة. هذا التباين بين القرار الرسمي والواقع الميداني يضع لبنان في موقع هش للغاية، حيث تتآكل سلطة الدولة تدريجياً تحت ضغط الصراع الإقليمي.

من هنا يصبح التمديد البرلماني أكثر من مجرد إجراء إداري أو دستوري. إنه مؤشر على مرحلة سياسية جديدة يعيشها لبنان، مرحلة تتداخل فيها ثلاثة عوامل خطيرة: حرب إقليمية مفتوحة، نظام سياسي يسعى إلى حماية نفسه من التغيير، ودولة تكافح للحفاظ على ما تبقى من قدرتها على إدارة الأزمات.

التاريخ اللبناني مليء بالمحطات التي تحولت فيها الأزمات إلى فرص لإعادة إنتاج السلطة. لكن الفارق اليوم أن الأزمة لم تعد داخلية فقط. إنها أزمة إقليمية كبرى تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية مع واقع لبناني هش.

وفي ظل هذا المشهد، يبرز سؤال جوهري يتجاوز قضية التمديد نفسها: هل يستطيع لبنان الحفاظ على نظامه السياسي في ظل التحولات الجيوسياسية العميقة التي تضرب المنطقة؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير الانتخابات المقبلة، بل قد تحدد أيضاً شكل الدولة اللبنانية في السنوات القادمة.

ففي الشرق الأوسط، غالباً ما تبدأ التحولات الكبرى بقرارات تبدو صغيرة في لحظتها. لكن الزمن يكشف لاحقاً أنها كانت بداية مرحلة جديدة بالكامل.