الشرق الأوسط يحترق بصمت… والزلزال لم يبدأ بعد

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

الشرق الأوسط يحترق بصمت… والزلزال لم يبدأ بعد

ليست المشكلة أن الحرب اندلعت.

المشكلة أن المنطقة تتصرف وكأن ما يجري يمكن احتواؤه.

ما يحدث اليوم ليس تصعيداً عسكرياً عابراً، ولا جولة محسوبة ضمن صراع طويل. نحن أمام أخطر لحظة إعادة تشكيل سياسي واستراتيجي في الشرق الأوسط منذ سقوط بغداد عام 2003. الفرق الوحيد أن الانفجار هذه المرة لا يأتي من احتلال مباشر، بل من تآكل داخلي، وتضارب مشاريع، وقرارات كبرى تُتخذ خلف الأبواب المغلقة.

السؤال الذي يجب أن يُطرح بلا مواربة:

هل نحن أمام حرب لإعادة رسم النفوذ… أم لإعادة تعريف معنى الدولة نفسها؟

النظام في طهران لا يتعامل مع المواجهة باعتبارها ضغطاً عسكرياً يمكن امتصاصه، بل كاختبار وجودي. وعندما تشعر الأنظمة أن وجودها مهدد، فإنها تغيّر قواعد الحساب. تصبح المغامرة خياراً مشروعاً، وتصبح المخاطرة أقل كلفة من التراجع.

لكن الأخطر من ذلك، أن أدوات هذه المواجهة ليست محصورة في جغرافيا واحدة. لقد بُنيت شبكة نفوذ إقليمية على مدى سنوات طويلة لهذا النوع من اللحظات. السؤال لم يعد: هل تُفعَّل هذه الأدوات؟ بل: متى وكيف وإلى أي سقف؟

وأي خطأ في التقدير — من أي طرف — قد يفتح الباب لسيناريوهات لم تُختبر منذ عقود.

في بيروت، القرار الرسمي بحصر السلاح بيد الدولة ليس مجرد خطوة سياسية. إنه إعلان مواجهة مع معادلة استمرت سنوات. العالم يراقب: هل تستطيع الدولة فرض سيادتها فعلياً؟ أم أن ميزان القوى غير المعلن سيعيد تثبيت الواقع السابق؟

لبنان ليس تفصيلاً في هذه المعادلة. هو مختبر.

إذا نجحت الدولة في فرض قرارها، فإن ذلك سيُعيد رسم قواعد اللعبة في الإقليم.

وإذا فشلت، فسيُكرّس نموذج الدولة المقيدة، ويُبعث برسالة خطيرة إلى كل المنطقة.

هذه ليست مسألة داخلية لبنانية فحسب. إنها مؤشر على اتجاه التاريخ الإقليمي.

في بغداد، تتعايش الدولة الرسمية مع قوى مسلحة تمتلك تأثيراً يتجاوز مؤسساتها. هذه الازدواجية قد تبدو قابلة للإدارة في أوقات الهدوء، لكنها تصبح شديدة الخطورة في زمن المواجهات الكبرى.

أي تصعيد واسع سيضع هذا التوازن الهش أمام امتحان قاسٍ:

هل القرار واحد؟ أم أن الساحات متعددة؟

من يظن أن ما يجري شأن إقليمي ضيق، يتجاهل حقيقة أن أمن الطاقة، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، وأسواق المال، كلها تتأثر بأي انفجار كبير هنا. الشرق الأوسط لم يعد مركز ثقل سياسي فقط، بل عقدة استراتيجية للاقتصاد العالمي.

أي انزلاق واسع لن يبقى داخل الحدود.

قد لا نكون بلغنا الذروة بعد.

قد يكون ما نشهده مجرد تمهيد لمرحلة أكثر خطورة.

الهدوء النسبي ليس دليلاً على السيطرة، بل ربما نتيجة حسابات مؤقتة. لكن الحروب التي تُدار بعقلية وجودية لا تبقى رهينة الحسابات التقليدية طويلاً.

والأخطر من كل ذلك أن المنطقة تبدو وكأنها تنتظر ما سيقرره الآخرون عنها.

الدول التي لا تبادر في اللحظات المفصلية، تتحول إلى موضوع للقرارات لا صانعة لها.

إما أن تُستعاد مفاهيم السيادة والقرار الوطني،

أو يُعاد تكريس منطق المحاور والساحات المفتوحة.

هذه ليست لغة تحريض. إنها قراءة باردة لواقع ساخن.

الزلزال الحقيقي ليس في عدد الصواريخ ولا في حجم البيانات العسكرية.

الزلزال الحقيقي هو احتمال أن نستيقظ على شرق أوسط مختلف بالكامل — بخرائط نفوذ جديدة، وقواعد اشتباك جديدة، وربما مفاهيم جديدة للدولة نفسها.

التاريخ لا يُعلن عن نفسه مسبقاً.

لكنه يترك إشارات واضحة لمن يريد أن يرى.

والإشارات اليوم لا تقول إن العاصفة انتهت.

بل تقول إننا ربما لم نرَ أقصى ما يمكن أن يحدث بعد.