قد نشهد أكبر تغير سياسي في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة الدولية، ليست كل الأخبار مجرد أخبار. بعضها إشارات مبكرة لزلازل قادمة. وما صدر مؤخرًا عن مساعي الحكومة اللبنانية لفتح قنوات تفاوض مباشرة مع إسرائيل ليس مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة في خضم حرب متصاعدة، بل قد يكون مؤشراً على بداية تحوّل سياسي عميق في لبنان، ربما هو الأكبر منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990.
لبنان يقف اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخه الحديث. فالحرب التي اندلعت على حدوده الجنوبية لم تكشف فقط عن صراع عسكري مع إسرائيل، بل كشفت أيضاً عن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها، وبسؤال قديم يعود اليوم بقوة: من يملك قرار الحرب والسلم في لبنان؟
ما ظهر خلال الأيام الماضية يشير بوضوح إلى أن قرار دخول المواجهة لم يكن قرار الدولة اللبنانية بمؤسساتها الرسمية. بل جاء في سياق إقليمي أوسع يرتبط بالصراع المتصاعد بين إسرائيل وإيران. وهنا تتجلى إحدى أكثر الحقائق تعقيداً في المشهد اللبناني: وجود قوة عسكرية مؤثرة خارج الإطار التقليدي للدولة.
هذا الواقع يضع الحكومة اللبنانية أمام معادلة شديدة الصعوبة. فمن جهة، تواجه البلاد خطر حرب واسعة قد تدمّر ما تبقى من اقتصاد منهك وبنية تحتية هشة. ومن جهة أخرى، لا تمتلك الدولة الأدوات الكاملة لفرض قرارها على كامل أراضيها.
ولعل ما يضاعف خطورة اللحظة الحالية هو الوضع الداخلي الهش. فلبنان يعيش منذ سنوات واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية في تاريخه. العملة فقدت معظم قيمتها، والقطاع المصرفي يعاني انهياراً عميقاً، فيما يعيش جزء كبير من السكان تحت خط الفقر. وفي ظل هذا الواقع، فإن اندلاع حرب واسعة قد يدفع البلاد إلى حافة انهيار شامل.
لذلك يمكن فهم التحرك اللبناني الأخير نحو فكرة التفاوض المباشر مع إسرائيل. فهذه الخطوة، رغم حساسيتها التاريخية والسياسية، تعكس إدراكاً متزايداً داخل بعض دوائر القرار في بيروت بأن استمرار المواجهة قد يقود إلى نتائج كارثية على الدولة اللبنانية نفسها.
لكن في المقابل، لا يبدو أن إسرائيل مستعدة حالياً لفتح باب التفاوض. فالمؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها فرصة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القوى على الجبهة الشمالية. فحزب الله يمتلك ترسانة صاروخية ضخمة تشكل، من وجهة نظر إسرائيلية، التهديد العسكري الأكبر على أمنها القومي.
ومن هذا المنطلق، ترى إسرائيل أن أي وقف للحرب دون معالجة هذا الملف سيعني تأجيل صراع أكبر في المستقبل.
وهنا تتعقد المعادلة اللبنانية أكثر. فالدولة تجد نفسها بين ثلاث ضغوط متداخلة: ضغوط الحرب الإسرائيلية، نفوذ حزب الله في الداخل، ومخاوف من أن يؤدي أي صدام داخلي إلى إعادة إشعال شبح الحرب الأهلية.
الجيش اللبناني، الذي يمثل المؤسسة الوطنية الأكثر تماسكاً في البلاد، يدرك بدوره حساسية هذا التوازن. فالدخول في مواجهة داخلية مع قوة بحجم حزب الله قد يفتح أبواب سيناريوهات لا يمكن التحكم بها في بلد لا تزال ذاكرة حربه الأهلية حاضرة في وجدان المجتمع.
كل هذه العوامل تجعل من اللحظة الحالية واحدة من أخطر اللحظات السياسية في تاريخ لبنان الحديث.
فإذا استمرت المواجهة العسكرية وتصاعدت الضغوط الدولية، قد يجد لبنان نفسه أمام مسار سياسي جديد يعيد طرح أسئلة أساسية حول طبيعة النظام السياسي، ودور السلاح خارج إطار الدولة، والعلاقة بين لبنان والمحاور الإقليمية المتصارعة.
التاريخ اللبناني مليء بالتحولات الكبرى التي جاءت بعد أزمات عميقة. الحرب الأهلية انتهت باتفاق الطائف الذي أعاد صياغة النظام السياسي. واليوم قد تفرض التطورات الإقليمية معادلة جديدة لا تقل تأثيراً.
السؤال الذي سيحدد مستقبل لبنان في السنوات القادمة ليس فقط من سيربح المعركة العسكرية، بل أي دولة لبنانية ستخرج من هذه الأزمة.
هل ستنجح الدولة في استعادة قرارها السيادي الكامل؟ أم سيستمر النموذج اللبناني القائم على توازنات معقدة بين الدولة والقوى المسلحة غير الرسمية؟
ما يجري اليوم على الحدود الجنوبية قد يبدو للوهلة الأولى مجرد مواجهة عسكرية أخرى في تاريخ الصراع الطويل مع إسرائيل. لكن في عمقه، قد يكون بداية مرحلة جديدة تماماً في تاريخ لبنان السياسي
مرحلة قد تعيد رسم موازين القوة داخل البلاد، وربما تعيد تعريف موقع لبنان في خريطة الشرق الأوسط.
ولهذا، فإن ما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد حرب عابرة، بل لحظة تاريخية قد تفتح الباب أمام أكبر تغير سياسي في لبنان منذ نهاية الحرب الأهلية عام 1990.