"الحقيقة التي يخشاها لبنان: غالبية الشيعة تقف خلف حزب الله في الحرب"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

"الحقيقة التي يخشاها لبنان: غالبية الشيعة تقف خلف حزب الله في الحرب"

في لبنان اليوم حقيقة سياسية لا يريد كثيرون الاعتراف بها، لكنها أصبحت واضحة لكل من يراقب المشهد بواقعية: غالبية البيئة الشيعية تقف خلف "حزب الله" في خياره العسكري، حتى مع اتساع الحرب وارتفاع كلفتها.

هذه الحقيقة لا تُقال كثيراً في الخطاب اللبناني العام، لأن الاعتراف بها يفتح باب أسئلة خطيرة حول طبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فإذا كان قرار الحرب يحظى بدعم واسع داخل طائفة أساسية في البلاد، بينما تعارضه شرائح واسعة من بقية المجتمع، فإن المشكلة لم تعد مجرد خلاف سياسي. إنها أزمة دولة.

منذ سنوات، يعيش لبنان على معادلة غير مكتوبة: دولة ضعيفة، وسلاح قوي خارجها، وتوازن هش يمنع الانفجار الكامل. لكن الحروب لا تحترم التوازنات الهشة. وعندما تبدأ الصواريخ بالسقوط، تتحول كل التسويات المؤقتة إلى أوهام.

داخل الشارع الشيعي، لا يُنظر إلى "حزب الله" فقط كتنظيم سياسي أو عسكري. بالنسبة لكثيرين، هو جزء من الهوية الأمنية للمجتمع، وامتداد لمعركة تاريخية يرون أنها لم تنتهِ بعد. لذلك، عندما يدخل الحزب الحرب، فإن كثيرين في هذه البيئة يرون الأمر كخيار دفاعي لا كقرار سياسي قابل للنقاش.

لكن خارج هذه البيئة، يبدو المشهد مختلفاً تماماً. فجزء كبير من اللبنانيين يرى أن البلاد تُدفع مرة أخرى إلى حرب لا يملك قرارها، ولا يملك القدرة على تحمل نتائجها. وبين هذين التصورين المتناقضين، يتسع الشرخ الوطني يوماً بعد يوم.

الخطر الحقيقي هنا ليس فقط في الحرب مع إسرائيل، بل في ما تكشفه هذه الحرب عن طبيعة النظام اللبناني. فالدولة التي لا تملك قرار الحرب والسلم ليست دولة كاملة السيادة، بل كيان يعيش تحت تأثير موازين قوة داخلية وخارجية.

الأكثر تعقيداً أن لبنان لم يعد ساحة صراع محلية. إنه جزء من مواجهة إقليمية كبرى بين إيران وإسرائيل، تتقاطع فيها حسابات واشنطن وموسكو والعواصم العربية. وفي مثل هذه المعادلات، غالباً ما تصبح الدول الصغيرة مجرد خطوط تماس في صراع أكبر منها.

السؤال الذي يقترب اللبنانيون من مواجهته، شئنا أم أبينا، هو سؤال الدولة نفسها: هل يمكن للبنان أن يستمر بهذا الشكل، حيث يتوزع قرار الحرب بين مؤسسات الدولة وقوة مسلحة تملك شرعية شعبية داخل بيئة كبيرة؟

التاريخ يعلمنا أن الدول التي تعيش طويلاً بين سلطتين — سلطة الدولة وسلطة السلاح — تصل في النهاية إلى لحظة حاسمة. لحظة يفرض فيها الواقع إعادة تعريف قواعد اللعبة بالكامل.

وقد يكون أخطر ما في المرحلة الحالية ليس الحرب نفسها، بل الحقيقة التي بدأت تظهر بوضوح: أن مستقبل لبنان لن يتحدد فقط في ميادين القتال، بل في الإجابة عن السؤال الذي تهرب منه السياسة اللبنانية منذ عقود — من يملك القرار النهائي في هذا البلد

حتى الآن، لا يبدو أن الجواب واحد.