لماذا تُترك طرابلس وحيدة؟ سؤال إلى المملكة العربية السعودية أمام مأساة مدينة أحبّتها ولم تتخلَّ عنها يومًا
بقلم هئية التحرير خاص مراسل نيوز
منذ عقود، لم تُخفِ طرابلس انتماءها العربي وعمقها الخليجي، ولا حبّها الصادق للمملكة العربية السعودية، قيادةً وشعبًا. في أصعب الظروف، بقيت طرابلس وفية لهذا الخيار، متمسكة بعروبتها، رافضة الارتهان، ومؤمنة بأن المملكة كانت وستبقى سندًا للبنان وأهله.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، وسط الركام والدموع والانهيارات المتتالية:
لماذا تُترك طرابلس وحدها؟
ولماذا تغيب عنها المبادرات الجدية، في وقت تُنفق فيه المليارات لإنقاذ مدن أخرى حول العالم؟
طرابلس اليوم ليست مدينة فقيرة فقط، بل مدينة منهكة، مكسورة، محاصَرة بالإهمال والفساد وسوء الإدارة. أبنيتها تسقط، شبابها يهاجر، أطفالها يبكون أمام الكاميرات، وأهلها يعيشون على حافة الخطر في كل لحظة.
هذه المدينة التي لم تكن يومًا عدوًا للمملكة، ولم تنقلب على خيارها العربي، تُعاقَب بصمتٍ غير مفهوم.
هل أصبحت طرابلس عبئًا؟
هل صُنّفت مدينة منسية؟
أم أن حسابات السياسة أقوى من وجع الناس؟
الحقيقة المؤلمة أن طرابلس دفعت ثمن خيارات لم تصنعها وحدها. دفعت ثمن صراعات داخلية، وتحالفات فاشلة، وطبقة سياسية سرقت أحلامها ودمّرت مؤسساتها، ثم تركتها تواجه مصيرها.
لكن، رغم ذلك، لم تتخلَّ عن انتمائها، ولم تغيّر بوصلتها.
في كل استحقاق عربي، كانت طرابلس في الصف الأول.
في كل أزمة إقليمية، اختارت الاعتدال.
في كل مواجهة مع التطرف، دفعت الدم ثمنًا للاستقرار.
ومع ذلك، تُترك اليوم لتنهار بصمت.
السعودية، التي كانت دائمًا عنوانًا للدعم والإعمار والاستقرار، مطالَبة اليوم بسماع هذا النداء الصادق من مدينة لا تزال تؤمن بها.
طرابلس لا تطلب صدقة.
ولا تبحث عن منّة.
طرابلس تطلب شراكة إنقاذ.
تطلب مشاريع تنموية حقيقية.
تطلب إعادة إعمار الأبنية المهددة.
تطلب فرص عمل لشبابها.
تطلب استثمارًا في الإنسان قبل الحجر.
لأن ترك طرابلس تسقط، لا يعني سقوط مدينة فقط، بل خسارة نموذج الاعتدال في شمال لبنان، وخسارة ركيزة من ركائز التوازن الوطني.
أما الطبقة السياسية اللبنانية، فهي أول المتهمين.
هي التي استخدمت طرابلس صندوق بريد.
وهي التي باعتها في الصفقات.
وهي التي عطّلت أي مبادرة جدية للإصلاح.
لكن غياب الدولة لا يبرر غياب الأشقاء.
اليوم، من بين الركام، ومن بين صرخات الأمهات ودموع الأطفال، يخرج سؤال واحد:
هل تُعاقَب طرابلس لأنها بقيت وفية؟
وهل يُكافأ الإخلاص بالإهمال؟
طرابلس لا تزال تنتظر.
تنتظر التفاتة أخوية.
تنتظر موقفًا تاريخيًا.
تنتظر مشروع إنقاذ يعيد لها الحياة.
فهل تسمع المملكة نداء المدينة التي أحبتها ولم تخنها يومًا؟
أم يُكتب على طرابلس أن تبقى وحدها… حتى النهاية؟