سعد الحريري: عودة مستحيلة بلا ضوء أخضر سعودي"
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة اللبنانية، لا عودة تُفهم من داخل الحدود فقط. ومن يظن أن مسألة عودة الرئيس سعد الحريري قرار شخصي أو تنظيمي بحت، يتجاهل طبيعة النظام اللبناني نفسه. فلبنان، منذ تأسيسه، لم يكن جزيرة سياسية معزولة، بل تقاطع مصالح إقليمية، ومختبراً دقيقاً لتوازنات أكبر منه حجماً.
اليوم، وبعد سنوات من الانكفاء، ووسط مشهد داخلي مرتبك، يبدو السؤال أكثر وضوحاً من أي وقت مضى: هل يمكن أن يعود الحريري فعلاً إلى الحياة السياسية؟
والجواب الواقعي، مهما حاول البعض تجميله أو تبسيطه، هو: لن يعود إلا من باب الرياض.
منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، تشكلت معادلة واضحة: الموقع السني الأول في لبنان مرتبط عضوياً بعمقه العربي، وتحديداً الخليجي. لم يكن ذلك تبعية، بل جزءاً من شبكة توازن إقليمي حافظت على استقرار هشّ في بلد متعدد الولاءات.
عندما قرر سعد الحريري تعليق عمله السياسي، لم يكن السبب داخلياً فقط. الانسحاب جاء في لحظة إعادة تموضع سعودية كبرى في المنطقة، عنوانها: لا دعم بلا إصلاح، ولا غطاء بلا وضوح سياسي. الرياض لم تعد مستعدة لإدارة تناقضات الداخل اللبناني أو تغطية فشل طبقته السياسية.
ومنذ تلك اللحظة، لم يُملأ الفراغ.
لبنان اليوم يعيش خللاً في توازنه. ليس لأن طائفة غابت عددياً، بل لأن مركز الثقل السياسي السني لم يُستبدل بقيادة وازنة قادرة على الإمساك بخيوط اللعبة. الشخصيات موجودة، لكن الرمز الجامع غائب.
هذا الفراغ لا ينعكس فقط على الشارع السني، بل على مجمل المعادلة الوطنية. فالنظام اللبناني لا يعمل بمنطق الغلبة، بل بمنطق التوازن. وأي اختلال في أحد أركانه يُترجم هشاشة في الاستقرار العام.
لكن عودة الحريري ليست مسألة عاطفية مرتبطة بجمهور مشتاق، بل قرار استراتيجي يتطلب غطاءً إقليمياً واضحاً. والسؤال هنا: هل الرياض مستعدة اليوم لإعادة فتح هذا الباب؟
المملكة العربية السعودية تغيّرت. أولوياتها باتت تنموية واقتصادية واستراتيجية أوسع من الساحات التقليدية للصراع. لم تعد تتعامل مع لبنان باعتباره ساحة مواجهة مباشرة، بل دولة يفترض أن تساعد نفسها أولاً.
الرسالة السعودية في السنوات الأخيرة كانت صريحة:
الإصلاح أولاً، الدولة أولاً، وضوح الخيارات أولاً.
أي عودة للحريري من دون هذا الغطاء ستكون عودة ناقصة، وربما مكلفة. فالغطاء العربي ليس مجرد دعم مالي، بل شرعية سياسية إقليمية تمنح الموقع السني ثقله التفاوضي داخل المعادلة اللبنانية.
لأن موقع رئاسة الحكومة في لبنان ليس منصباً إدارياً فقط، بل عنوان توازن عربي داخل النظام. وأي رئيس حكومة بلا عمق عربي فعلي يتحول إلى مدير أزمة لا شريك في القرار.
الحريري يدرك ذلك جيداً. وتجربته السابقة علمته أن الغطاء الدولي لا يكفي، وأن الدعم الداخلي وحده لا يصمد. المعادلة تحتاج إلى ثلاثية واضحة:
شرعية شعبية، توازن داخلي، وعمق عربي.
والركيزة الثالثة لا تُختصر إلا بكلمة واحدة: الرياض.
هنا يكمن السؤال الأصعب. المملكة لا تتخذ قراراتها بناءً على الحنين أو الرمزية. إن عادت إلى دعم الحريري، فسيكون ذلك ضمن تصور مختلف لدوره:
أقل تصادمية، أكثر براغماتية، وأكثر انسجاماً مع مسار الاستقرار الإقليمي.
وإن لم تعد، فسيبقى الفراغ قائماً، مع ما يحمله من مخاطر سياسية على التوازن الوطني.
في ظل التحولات الكبرى في الشرق الأوسط — من إعادة تموضع القوى الإقليمية إلى التهدئة بين الخصوم — يقف لبنان أمام فرصة نادرة لإعادة ترتيب بيته الداخلي. لكن أي إعادة ترتيب لا يمكن أن تتجاهل موقع الطائفة السنية في المعادلة.
عودة الحريري ليست مسألة شخصية، بل عنوان مرحلة. إما أن تعود بغطاء عربي واضح يعيد تثبيت التوازن، أو يبقى المشهد معلقاً على قيادة رمزية بلا أدوات فعلية.
الحريري لن يعود بقرار عاطفي، ولا بخطاب في ساحة، ولا بحنين جمهور.
عودته إن حصلت ستكون نتاج تقاطع إقليمي واضح، وعنوانه الأساسي الرياض.
لبنان لا يحتاج عودة شخص بقدر ما يحتاج استعادة توازن.
لكن في معادلة اليوم، الطريق إلى هذا التوازن لا يمر إلا عبر البوابة العربية الكبرى.
وحتى يُفتح ذلك الباب، سيبقى السؤال معلقاً:
هل تقرر الرياض أن يعود الصوت السني الأقوى إلى الواجهة… أم أن مرحلة جديدة تُكتب بمعادلات مختلفة؟