هل أصبح الجيش اللبناني يدفع ثمن عجز المجتمع الدولي عن معالجة ملف حزب الله؟
بقلم الباحث و الكاتب السياسي عبد الحميد عجم
عندما تتحول الضغوط على تنظيم إلى اختبار لمؤسسات دولة بأكملها
في السياسة الدولية، هناك فارق جوهري بين الضغط على جهة معينة وبين إضعاف الدولة التي يُفترض أن تكون جزءاً من الحل. وهذا الفارق بالذات هو ما يفرض نفسه اليوم على المشهد اللبناني.
إذا كانت المشكلة التي يعلن المجتمع الدولي سعيه إلى معالجتها تتعلق بـ"حزب الله" وسلاحه ودوره الإقليمي، فإن السؤال الذي يتردد بقوة داخل لبنان وخارجه أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل أصبح الجيش اللبناني ومؤسسات الدولة يدفعان ثمن فشل المجتمع الدولي في إيجاد مقاربة فعالة ومستدامة لهذا الملف المعقد؟
هذا السؤال ليس دفاعاً عن "حزب الله"، ولا تبنياً لمواقفه، ولا اعتراضاً على حق الدول في حماية مصالحها وأمنها القومي. إنه سؤال يتعلق بمستقبل الدولة اللبنانية نفسها، وبالحدود الفاصلة بين استهداف جهة سياسية أو عسكرية وبين التأثير على مؤسسات وطنية تشكل العمود الفقري للاستقرار.
منذ عقود، يعيش لبنان في قلب واحدة من أكثر الأزمات الجيوسياسية تعقيداً في الشرق الأوسط. وعلى الرغم من الانقسامات السياسية والطائفية الحادة، بقيت هناك مؤسسة واحدة استطاعت الحفاظ على قدر من الثقة الوطنية العابرة للانقسامات: الجيش اللبناني.
لم يكن الجيش هو من رسم سياسات المحاور في المنطقة. ولم يكن هو من اتخذ القرارات التي أدخلت لبنان في صراعات إقليمية مفتوحة. ولم يكن هو من صنع التوازنات السياسية التي تراكمت عبر عقود من الأزمات. ومع ذلك، كان دائماً الجهة التي يُطلب منها منع الانهيار عندما تصل البلاد إلى حافة الهاوية.
عندما اجتاح الإرهاب الحدود اللبنانية، كان الجيش في المواجهة. وعندما اهتز الأمن الداخلي، كان الجيش في الشوارع. وعندما اقترب شبح الفتنة من العودة إلى بلد لا تزال ذاكرته مثقلة بجراح الحرب الأهلية، كان الجيش هو المؤسسة التي وقفت بين اللبنانيين وبين الانفجار.
لقد دفع ضباطه وجنوده أثماناً باهظة من دمائهم للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار. ولهذا السبب تحديداً، فإن أي رسالة سياسية تُفهم في الداخل اللبناني على أنها تطال المؤسسة العسكرية تثير أسئلة تتجاوز لبنان نفسه.
السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كان المجتمع الدولي يملك الحق في الضغط على خصومه، بل ما إذا كانت أدوات هذا الضغط تحقق أهدافها فعلاً.
فالتجارب الدولية من العراق إلى ليبيا ومن أفغانستان إلى دول أخرى أظهرت حقيقة يصعب تجاهلها: عندما تضعف مؤسسات الدولة، لا تختفي الأزمات، بل تصبح أكثر تعقيداً. وعندما تتراجع الثقة بالمؤسسات الوطنية، لا تزداد سيادة الدولة، بل تتسع مساحات الفراغ التي تملؤها قوى أخرى.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه المجتمع الدولي دعمه للدولة اللبنانية وسيادتها ومؤسساتها، يشعر كثير من اللبنانيين بأن الضغوط المتصاعدة لم تعد تُقرأ فقط كرسائل إلى "حزب الله"، بل كاختبار لقدرة الدولة نفسها على الصمود.
إن الخطر الأكبر لا يكمن في الخلافات السياسية، بل في ترسيخ انطباع بأن الدولة اللبنانية ومؤسساتها باتت جزءاً من المشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من الحل.
إذا كان الهدف النهائي هو قيام دولة لبنانية قوية وقادرة على بسط سلطتها، فإن هذه الدولة لا يمكن أن تقوم على مؤسسات ضعيفة أو فاقدة للثقة. وإذا كان المطلوب تعزيز السيادة، فإن الطريق إلى ذلك يمر عبر تقوية المؤسسات الوطنية لا عبر إدخالها في دائرة الشك والارتياب.
قد يختلف اللبنانيون حول "حزب الله"، وقد يختلفون حول السياسات الأميركية، وقد يختلفون حول شكل لبنان ومستقبله. لكن هناك حقيقة يصعب تجاوزها: لا يمكن بناء دولة من خلال إضعاف آخر المؤسسات القادرة على الحفاظ على تماسكها.
لأن التاريخ أثبت مراراً أن انهيار المؤسسات الوطنية لا ينتج استقراراً، وأن الفراغ لا يبني سيادة، وأن الدول لا تصبح أقوى عندما تُترك ركائزها الأساسية تحت وطأة الشكوك والضغوط المتزايدة.
وفي لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، ربما يكون السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح في واشنطن وبروكسل وباريس كما في بيروت:
إذا كانت المشكلة مع حزب الله، فهل أصبح الجيش اللبناني يدفع ثمن عجز العالم عن إيجاد حل حقيقي لهذه المعضلة؟
هذا ليس سؤالاً لبنانياً فقط، بل سؤال يتعلق بمستقبل فكرة الدولة نفسها في منطقة لم تعد تحتمل المزيد من الانهيارات.