هذه ليست جولة عسكرية… هذه لحظة سقوط الأقنعة في لبنان
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في لحظات نادرة من تاريخ الدول، يحدث ما يشبه انكشافًا جماعيًا للحقيقة. لا تعود الشعارات كافية. لا يعود الغموض مفيدًا. لا يعود التوازن الرمادي قابلًا للحياة.
لبنان يعيش واحدة من تلك اللحظات.
ليست القضية في عدد الصواريخ، ولا في طبيعة الرد الإسرائيلي، ولا حتى في احتمال توسع الحرب. القضية في السؤال الذي لم يعد ممكنًا تأجيله: من يملك حق أن يقرر أن لبنان يدخل الحرب؟
هذا السؤال لم يعد نظريًا. لقد أصبح واقعيًا، مكلفًا، ومطروحًا أمام شعب منهك لا يحتمل اختبارًا جديدًا للبقاء.
لسنوات طويلة، عاش لبنان في صيغة سياسية ملتبسة: دولة موجودة، وسلاح خارجها موجود، ومعادلة توازن دقيقة تُدار بالخطابات والتفاهمات الضمنية. كان ذلك ممكنًا في ظل اقتصاد قادر على الامتصاص، وبيئة إقليمية أقل اشتعالًا.
اليوم تغيّر كل شيء.
الاقتصاد انهار. الثقة الدولية تراجعت. المجتمع تآكل. وأي حرب جديدة لن تكون مواجهة محدودة، بل تهديدًا مباشرًا لما تبقى من الكيان.
عندما قررت الحكومة حظر أي نشاط عسكري خارج إطار الدولة، لم تكن تتخذ قرارًا تقنيًا. كانت تقول إن زمن التعايش مع ازدواجية القرار انتهى.
هذه ليست خطوة ضد فئة، بل ضد فكرة أن يكون في البلد أكثر من مرجعية لاستخدام القوة.
الضربات الإسرائيلية لم تتوقف منذ أشهر. الاغتيالات لم تكن سرًا. لكن الجبهة لم تُفتح بالكامل. ثم وقع حدث إقليمي كبير، فتغيّر المشهد.
هنا ظهر التناقض الذي لا يمكن إنكاره: إذا كان قرار فتح الجبهة لا يُتخذ عند استهداف الداخل، لكنه يُتخذ عند حدث إقليمي، فإن النقاش لم يعد عسكريًا. أصبح نقاشًا حول مصدر القرار نفسه.
ليس في إطلاق الصواريخ، بل في التوقيت.
في السياسة لا توجد فراغات. عندما تتصدع معادلة داخلية، يقرأ الخصوم اللحظة بسرعة. إسرائيل لا تنظر إلى ما يحدث كحادث منفصل، بل كنافذة لإعادة صياغة قواعد اللعبة شمالًا.
التاريخ يعلمنا أن الحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا بقرار شامل، بل بسلسلة خطوات يعتقد كل طرف أنها “محدودة”. ثم تتراكم.
لبنان، في وضعه الحالي، لا يملك ترف التجربة.
التحول الحقيقي ليس عسكريًا، بل دستوريًا. للمرة الأولى منذ عقود، تقول الدولة بوضوح: لا قرار حرب خارجها. لا سلاح خارج مؤسساتها. لا جبهة تُفتح باسمها دون تفويضها.
هذا الإعلان بحد ذاته زلزال سياسي.
لأنه يعني أن المعادلة القديمة لم تعد مقبولة كما كانت.
ويعني أن لبنان يحاول الانتقال من دولة “إدارة التناقضات” إلى دولة “حسم المرجعيات”.
السؤال الآن ليس إن كان القرار صائبًا أو متأخرًا. السؤال إن كان قابلًا للحياة.
ما يجري لا يتعلق ببيروت وحدها. المنطقة بأكملها تمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة. التحالفات تتحول. النفوذ يُختبر. والحدود بين الساحات لم تعد واضحة.
في هذا السياق، يصبح لبنان إما جزءًا من تسوية كبرى… أو ضحية جانبية لها.
إذا نجحت الدولة في تثبيت مبدأ حصرية القرار، تكون قد وضعت حجر الأساس لمرحلة جديدة.
إذا فشلت، فإن نموذج “الساحة المفتوحة” سيترسخ أكثر، ومعه تتآكل فكرة الدولة تدريجيًا.
الجدل الدائر ليس بين قوة وضعف، ولا بين مقاومة وتسوية. هو جدل أعمق: هل لبنان دولة كاملة السيادة، أم مساحة متقدمة في صراع أوسع؟
كل الخيارات مكلفة.
لكن أخطرها هو البقاء في المنطقة الرمادية التي لم تعد تحمي أحدًا.
هناك لحظات في التاريخ لا يمكن تأجيلها.
إما أن تُحسم فيها الأسئلة المؤجلة،
أو تتحول إلى أزمات متكررة أكثر عنفًا.
لبنان يقف أمام أحد هذه الأسئلة.
الإجابة لم تعد نظرية.
لقد وُضعت رسميًا على الطاولة.
والأيام المقبلة ستُظهر إن كانت هذه بداية استعادة الدولة…
أم بداية مواجهة داخلية أعمق مما يتخيل الجميع.