الطائف خط أحمر... لأن البديل هو المجهول
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في لحظات الاضطراب الكبرى، ترتكب الأمم خطأً قاتلاً: تخلط بين فشل السياسيين وفشل النظام الذي يحكمهم.
هذا ما يحدث اليوم في لبنان.
فكلما تعمقت الأزمة، وكلما اشتد الانهيار، وكلما اشتعلت الجبهات، ارتفعت أصوات تدعو إلى إعادة النظر في اتفاق الطائف، وكأن المشكلة كانت يوماً في النص، لا في الذين عجزوا عن احترامه وتطبيقه.
لكن الحقيقة أبسط وأكثر خطورة.
اتفاق الطائف ليس مجرد مادة دستورية قابلة للتعديل عند كل أزمة سياسية. إنه العقد الوطني الأخير الذي وافق عليه اللبنانيون بعد حرب أهلية دمرت البلاد وقتلت عشرات الآلاف وهددت وجود لبنان نفسه.
لهذا السبب لا يمكن التعامل معه كأنه تفصيل عابر في بازار السياسة.
الذين يتحدثون اليوم عن تجاوز الطائف لا يجيبون عن السؤال الوحيد الذي يهم اللبنانيين:
ما هو البديل؟
هل البديل دولة أقوى؟
أم نظام أكثر عدالة؟
أم جمهورية جديدة تُبنى وفق موازين القوى الحالية؟
هنا يسقط الخطاب كله.
لأن إسقاط أي نظام أسهل بكثير من بناء نظام جديد.
والدعوة إلى تغيير قواعد اللعبة أسهل بكثير من الاتفاق على قواعد بديلة.
لقد شهد اللبنانيون انهيار الاقتصاد، وشهدوا الحروب، وشهدوا تعطيل المؤسسات، وشهدوا عجز الدولة عن حماية مواطنيها.
لكن كل هذه الكوارث لا تعني أن الحل هو نسف آخر تسوية وطنية ما زالت تشكل الإطار الدستوري للجمهورية.
إن المشكلة ليست في الطائف.
المشكلة في أن لبنان لم يُحكم يوماً كما نص عليه الطائف.
ولهذا فإن تحويل الاتفاق إلى متهم لن ينتج دولة أقوى، بل سيفتح الباب أمام صراع جديد حول هوية الدولة وصلاحياتها وتوازناتها وموقع كل طائفة فيها.
وهذا بالضبط ما يحتاجه لبنان أقل من أي وقت مضى.
فالبلدان المنهكة لا تعيد كتابة عقودها الوطنية تحت ضغط الانقسام.
والدول التي تبحث عن الاستقرار لا تبدأ رحلتها من هدم الأسس التي قامت عليها.
لهذا يجب أن تكون الرسالة واضحة وصريحة للجميع:
الطائف ليس ملك فريق سياسي ولا طائفة ولا محور إقليمي.
الطائف هو الحد الفاصل بين دولة تحتاج إلى إصلاح، ودولة مهددة بالدخول في نزاع على وجودها.
ولهذا السبب بالذات...
الطائف خط أحمر. ليس لأنه مقدس، بل لأن العبث به من دون توافق وطني شامل قد يفتح أبواباً لا يملك أحد القدرة على إغلاقها.