المواجهة الداخلية آتية لا محالة: من يحكم لبنان فعلاً... الدولة أم المحور؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في حياة الدول لحظات لا تُقاس بحجم الحروب التي تدور على حدودها، بل بحجم الأسئلة التي تنفجر في قلبها. ولبنان يقترب من واحدة من تلك اللحظات النادرة التي لا تعيد رسم المشهد السياسي فحسب، بل تعيد طرح سؤال الوجود الوطني نفسه.
لسنوات طويلة، اعتاد اللبنانيون إدارة التناقضات لا حلّها. عاشوا بين دولة تمتلك الشرعية الدستورية وقوى تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً يتجاوز حدود الدولة. وتأقلموا مع واقع يقوم على التسويات المؤقتة، وعلى تأجيل الأسئلة الصعبة كلما اقتربت من السطح.
لكن هناك حقيقة لا ينجح التاريخ في إخفائها إلى الأبد: لا تستطيع أي دولة أن تعيش طويلاً بقرارين، ولا أن تبني استقراراً دائماً على مرجعيتين متنافستين.
اليوم، لم يعد الخلاف اللبناني يدور حول حكومة أو قانون انتخاب أو توزيع حقائب وزارية. ما يتشكل أمام أعيننا هو نزاع أعمق بكثير: نزاع على مصدر الشرعية السياسية والاستراتيجية داخل الدولة اللبنانية.
قبل أيام، أكد رئيس الجمهورية جوزيف عون أن "مستقبل لبنان في أيدي اللبنانيين وليس بيد إيران أو إسرائيل"، مضيفاً أن لبنان لا يقبل أن يكون ساحة لحروب الآخرين. قد يمر هذا الكلام على البعض باعتباره تصريحاً سياسياً عادياً، لكنه في الواقع يمثل إعلاناً عن رؤية كاملة للدولة: دولة تعتبر أن قرارها يجب أن يصدر من مؤسساتها وحدها، وأن السيادة ليست شعاراً بل ممارسة فعلية.
ثم جاءت تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لتكشف الوجه الآخر للصورة. فحين يؤكد أن ملف لبنان حاضر بشكل صريح في التفاهمات التي تتفاوض عليها طهران، وأن إيران لن تتخلى عن حزب الله، وأن أي اتفاق لإنهاء الحرب سيشمل لبنان كما يشمل ملفات إقليمية أخرى، فإن النقاش ينتقل من دائرة التحالفات السياسية إلى دائرة أكثر حساسية: دائرة من يملك التأثير الحاسم على مستقبل لبنان.
هنا بالضبط تتجلى المعضلة التي حاول اللبنانيون تأجيلها لعقود.
فالمشكلة ليست في وجود علاقات بين لبنان ودول المنطقة. كل الدول تنسج علاقات وتحالفات. المشكلة تبدأ عندما يصبح مصير الدولة موضوعاً في معادلات تفاوض تتجاوز مؤسساتها الوطنية، وعندما تتحول قضاياها المصيرية إلى جزء من ملفات إقليمية أوسع.
وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال: من مع إيران ومن ضدها؟ ولا: من مع حزب الله ومن ضده؟ بل يصبح السؤال أكثر جوهرية: من يملك الكلمة الأخيرة في تحديد موقع لبنان ومصالحه وأولوياته؟
هذه هي القضية التي تتقدم الآن إلى الواجهة.
ولذلك فإن الحديث عن مواجهة داخلية لا ينبغي فهمه باعتباره دعوة إلى صدام أو توقعاً حتمياً لحرب أهلية. بل باعتباره توصيفاً لمسار سياسي وفكري بدأ بالفعل. فالمواجهة الحقيقية تدور حول تعريف الدولة نفسها: هل هي المرجعية النهائية للقرار، أم أن هناك مرجعيات موازية تملك حق رسم الخيارات الكبرى؟
إن أخطر ما في المرحلة الراهنة ليس الحرب على الحدود، بل أن الخطاب الرسمي اللبناني والخطابات الإقليمية المؤثرة في لبنان باتت تعكس رؤى مختلفة حول طبيعة الدولة ووظيفتها. وعندما يظهر هذا التباين إلى العلن، فإن الصراع ينتقل من مستوى إدارة الأزمة إلى مستوى تحديد هوية النظام السياسي.
التاريخ مليء بأمثلة دول واجهت هذا النوع من الاختبارات. بعضها نجح في إعادة ترسيخ مؤسسات الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة للقرار. وبعضها الآخر بقي عالقاً بين مراكز قوة متنافسة، فدفع أثماناً باهظة من استقراره واقتصاده ووحدته الوطنية.
لبنان اليوم يقف عند مفترق مشابه.
فإذا كانت الدولة تقول إن مستقبل البلاد يقرره اللبنانيون وحدهم، وإذا كانت قوى إقليمية ترى أن لبنان جزء من توازنات أوسع، فإن السؤال لم يعد مؤجلاً. لقد أصبح مطروحاً في صلب الحياة السياسية اللبنانية، وسيعود للظهور مع كل استحقاق أمني أو اقتصادي أو دبلوماسي.
لهذا، فإن القضية ليست ما إذا كان لبنان سيشهد مواجهة داخلية غداً أو بعد سنوات. القضية أن النقاش الذي جرى تأجيله طويلاً قد بدأ يفرض نفسه على الجميع. نقاش حول السيادة، وحول موقع لبنان في المنطقة، وحول الجهة التي تملك حق اتخاذ القرارات المصيرية.
وعندما تصل الدول إلى هذه المرحلة، فإنها تكون قد دخلت بالفعل في معركة تعريف ذاتها.
قد لا يسمع كثيرون صوت هذه المعركة الآن لأنها لا تُخاض بالمدافع. لكنها موجودة في كل تصريح، وفي كل تفاوض، وفي كل خلاف حول معنى الدولة وحدود سلطتها.
ولهذا، فإن أخطر ما يواجه لبنان ليس الحرب الدائرة حوله، بل السؤال الذي بات يدور في داخله:
هل يكون لبنان دولة تُصنع قراراتها في مؤسساتها الوطنية، أم ساحة تتقاطع فيها قرارات الآخرين؟
هذا السؤال لم يعد عنوان المستقبل.
إنه عنوان الحاضر.