حين تصبح الحرب عبئًا انتخابيًا: الصراع مع إيران تحت رحمة الناخب الأميركي”

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

حين تصبح الحرب عبئًا انتخابيًا: الصراع مع إيران تحت رحمة الناخب الأميركي”

في لحظة تبدو فيها التصريحات الأميركية وكأنها تميل نحو التهدئة، تكشف القراءة العميقة أن ما يجري ليس نهاية حرب بقدر ما هو إعادة صياغة لها بما يخدم ميزان القوة والوقت. إعلان دونالد ترامب رغبته في إنهاء الحرب مع إيران خلال أسابيع لا يمكن فصله عن سياق أوسع، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع ضرورات السياسة الداخلية، ويتحول القرار من كونه ميدانيًا إلى كونه انتخابيًا بامتياز. فالحروب في هذا العصر لا تُقاس فقط بنتائجها على الأرض، بل بمدى تأثيرها على صناديق الاقتراع، وهنا تحديدًا تكمن حساسية اللحظة.

التصعيد في الخطاب الأميركي، مقابل الحديث عن نهاية وشيكة، ليس تناقضًا بقدر ما هو تكتيك ضغط محسوب، يهدف إلى دفع طهران نحو القبول بشروط تفاوضية دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. هذه الازدواجية في اللغة تعكس إدراكًا عميقًا بأن أي تورط عسكري أوسع، خصوصًا بري، قد يتحول إلى استنزاف مكلف يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة لم تخرج منها واشنطن دون أثمان باهظة. لذلك، فإن التهديد بالقوة هنا يُستخدم كأداة سياسية أكثر منه خيارًا عسكريًا فعليًا.

في المقابل، يظهر المشهد الإيراني وكأنه يتحرك ضمن معادلة دقيقة، حيث يتم نفي أي مفاوضات علنية مع الاستمرار في قنوات اتصال غير مباشرة. هذا التناقض الظاهري ليس سوى محاولة للحفاظ على التوازن الداخلي، إذ إن الاعتراف بالتفاوض تحت الضغط قد يُفسَّر كتنازل، بينما الواقع يشير إلى أن الرسائل المتبادلة لم تتوقف، لكنها تُدار بعيدًا عن الأضواء. وهنا تتجلى إحدى سمات الصراعات الحديثة: المفاوضات لا تبدأ بعد الحرب، بل تسير بالتوازي معها.

ما يلفت الانتباه أكثر هو إدخال ملف النفط ضمن أي تسوية محتملة، وهو ما يكشف البعد الحقيقي للصراع. فالقضية لم تعد مقتصرة على البرنامج النووي أو النفوذ الإقليمي، بل تمتد إلى إعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية، ومن يملك القدرة على التحكم بمفاتيحها. في هذا السياق، تصبح الحرب وسيلة لإعادة ترتيب المصالح، لا مجرد رد فعل على تهديدات أمنية.

ورغم الخطاب الذي يتحدث عن “نصر” و”تدمير شامل”، فإن الواقع أكثر تعقيدًا، حيث لا يوجد حسم واضح بقدر ما يوجد سعي لصناعة صورة انتصار يمكن تسويقها داخليًا وخارجيًا. فالإدارة الأميركية تدرك أن الرأي العام لا ينتظر تفاصيل الميدان بقدر ما يتأثر بالسردية العامة، ولذلك يتم التركيز على تقديم الحرب كنجاح محسوب، حتى وإن كانت نتائجها الفعلية لا تزال مفتوحة.

في النهاية، يبدو أن ما يجري هو سباق مع الزمن أكثر منه مواجهة مع إيران. فكل يوم إضافي في هذه الحرب يحمل مخاطر التوسع، ويفتح الباب أمام متغيرات قد تخرج عن السيطرة. لذلك، فإن الهدف الحقيقي ليس فقط إنهاء القتال، بل إنهاؤه في اللحظة التي تضمن تحقيق أكبر قدر من المكاسب بأقل تكلفة ممكنة. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقًا: هل نحن أمام نهاية فعلية للصراع، أم مجرد انتقال له إلى شكل أكثر هدوءًا وأعمق تأثيرًا؟