العالم يُدار بلا عقل”

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

العالم يُدار بلا عقل”

ليست أخطر لحظات القوى العظمى حين تضعف، بل حين تظل قوية… لكنها تتصرف بلا بوصلة.

ما يحدث اليوم ليس مجرد صراع عسكري جديد، ولا خلاف عابر بين حلفاء، بل انكشاف تدريجي لحقيقة أكثر قسوة: القوة التي بنت النظام العالمي لم تعد قادرة على إدارته، ولا حتى على تفسير أفعالها ضمن منطق متماسك. وهنا تحديدًا يبدأ الخطر.

في الظاهر، تبدو المعادلة واضحة: قوة عسكرية هائلة، تحالفات ممتدة، وقدرة على فرض الوقائع. لكن تحت هذا السطح، يتشكل تصدع عميق. القرارات تُتخذ بسرعة، دون سردية واضحة. الحروب تبدأ دون نهاية سياسية محددة. والخطاب يتأخر عن الحدث، كأنه يحاول اللحاق بواقع لم يعد يسيطر عليه.

هذه ليست مشكلة تكتيك، بل أزمة عقل استراتيجي.

الأخطر من ذلك أن الحلفاء الذين يفترض أنهم جزء من هذا النظام لم يعودوا مقتنعين به بالكامل. هم لا يستطيعون الانفصال عنه، لكنهم أيضًا لا يثقون فيه. هذه الحالة الرمادية أخطر من الخلاف نفسه، لأنها تُنتج تحالفات بلا روح: التزام اضطراري، لا شراكة حقيقية.

في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج القوى المنافسة إلى الانتصار المباشر. يكفيها الانتظار.

قوة تبني نفوذها عبر الفوضى، وأخرى تبنيه عبر الهدوء. الأولى تدفع النظام إلى الاستنزاف، والثانية تقدم نفسها كبديل مستقر. وبينهما، يقف النظام الحالي منهكًا، يستهلك قوته في صراعات لا يملك تصورًا واضحًا لنهايتها.

لكن الزلزال الحقيقي لا يحدث في ساحات القتال، بل في مكان آخر: في فكرة “القيادة” نفسها.

القيادة لم تعد تُقاس فقط بالقدرة على الضرب، بل بالقدرة على الإقناع. وحين تتآكل هذه القدرة، تتحول القوة إلى عبء. كل تحرك عسكري يصبح سؤالًا، وكل تحالف يصبح موضع شك، وكل قرار يفتح بابًا لشكوك أكبر.

وهنا يظهر التناقض القاتل:

القوة ما زالت موجودة… لكن الثقة بها تتبخر.

هذا التناقض يخلق فراغًا لا يُملأ بسرعة، بل يتوسع تدريجيًا. ومع كل خطوة غير محسوبة، يتسع أكثر. ومع كل حليف متردد، يصبح أعمق. ومع كل خصم صبور، يتحول إلى فرصة.

العالم لا يشهد انتقالًا سلسًا للقوة، بل يعيش مرحلة أخطر: مرحلة غموض القيادة.

في هذه المرحلة، لا أحد يملك السيطرة الكاملة، ولا أحد مستعد للتراجع. الحروب تُدار بلا حسم، والتحالفات تستمر بلا يقين، والخصوم يتحركون بلا استعجال. إنها بيئة مثالية لولادة نظام جديد… أو لانفجار كبير.

السؤال لم يعد: من الأقوى؟

بل: من يفهم ما يفعل؟

وحتى الآن، الإجابة غير مطمئنة.