خديعة العالم الكبرى: ترامب يشعل الحرب… ويُجبر العالم على إطفائها
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تُقاس الخطورة بحجم الانفجار الأول، بل بما يليه من ارتدادات. ما يتشكل اليوم حول التوتر مع إيران ليس مجرد أزمة جيوسياسية عابرة، بل نموذج جديد لإدارة الصراع نموذج قد يعيد تعريف معنى الحرب نفسها.
في هذا النموذج، لا تسعى القوة الأعظم إلى خوض حرب شاملة، بل إلى تنفيذ ضربة محسوبة: سريعة، مركزة، ومحدودة زمنيًا. الهدف ليس الحسم الكامل، بل إضعاف الخصم بما يكفي لإعادة رسم ميزان القوى، دون الغرق في مستنقع طويل. حتى هنا، يبدو الأمر كتكتيك عسكري تقليدي بوجه حديث.
لكن الخديعة تبدأ بعد الضربة.
حين يُترك أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي. مضيق هرمز في حالة اختناق، لا يكون ذلك تفصيلًا ثانويًا، بل جزءًا من المعادلة. فبدل أن تتحمل الجهة التي بادرت بالتصعيد مسؤولية استعادة الاستقرار، يُعاد توزيع الأدوار بطريقة أكثر تعقيدًا:
أوروبا مطالبة بحماية تدفقات الطاقة،
ودول الخليج مطالبة بحماية الجغرافيا التي لم تختر أن تكون ساحة للصراع،
وقوى إقليمية أخرى تجد نفسها أمام اختبار لم تسعَ إليه.
بهذا المعنى، لا تكون الحرب مجرد مواجهة، بل آلية لنقل الأعباء.
الاجتماعات الإقليمية التي تضم قوى مثل السعودية وتركيا ومصر وباكستان تعكس إدراكًا مبكرًا لخطورة هذا التحول. فهذه الدول لا تناقش فقط كيفية تجنب التصعيد، بل كيف تتعامل مع واقع قد يُفرض عليها: إدارة تداعيات حرب لم تكن طرفًا في قرارها.
التحول الأعمق هنا ليس عسكريًا، بل سياسي واستراتيجي.
الولايات المتحدة كما يوحي هذا النهج. لم تعد ترى دورها كضامن نهائي للاستقرار، بل كقوة تعيد تشكيل التوازن ثم تترك الآخرين يديرون نتائجه. إنها نقلة من “قيادة النظام” إلى “إعادة توزيع كلفته”.
قد يبدو هذا النهج فعالًا في المدى القصير:
تقليل الخسائر المباشرة، تجنب الحروب الطويلة، وتحقيق مكاسب تكتيكية سريعة.
لكن التاريخ يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:
هل يمكن حقًا احتواء الفوضى بعد إطلاقها؟
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل اختبار لقدرة العالم على إدارة الأزمات في عصر تتغير فيه قواعد القوة. وإذا كانت الحروب في الماضي تنتهي باتفاقات واضحة، فإن الخطر اليوم يكمن في حروب تبدأ بوضوح… وتنتهي بضبابية.
في النهاية، قد لا تكون القضية من سيربح هذه المواجهة،
بل من سيتحمل إرثها.
لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض…
بل تلك التي يُعاد توزيع نتائجها على عالم لم يخترها.