المنطقة تُعاد صياغتها الآن… والغياب العربي هو الهزيمة الحقيقية
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
ما يحدث اليوم ليس تصعيداً عابراً، ولا أزمة يمكن احتواؤها بالوقت أو التهدئة. نحن أمام لحظة فاصلة تُعاد فيها كتابة قواعد القوة في المنطقة، بينما يصرّ البعض على التعامل معها بعقلية مرحلة انتهت بالفعل.
الحقيقة التي تتكشف بسرعة قاسية: لم تعد الحروب تُحسم بالقوة، ولم تعد الهيمنة تُفرض كما في السابق، ولم يعد النظام الدولي قادراً حتى على التظاهر بأنه يضبط الإيقاع. في هذا الفراغ، تظهر قوى تعرف كيف تستخدم نقاط الضغط بذكاء، لا لتحقيق نصر كامل، بل لفرض واقع لا يمكن تجاهله.
الخطأ الاستراتيجي الأكبر اليوم ليس في الدخول في الصراع… بل في سوء قراءته. الاعتقاد أن بالإمكان الوقوف على مسافة آمنة بينما تُعاد صياغة موازين القوة هو وهم مكلف. لأن هذه المرحلة لا تعترف بالمسافات، بل تعيد تعريف من هو داخل اللعبة ومن هو خارجها.
ما يتشكل الآن واضح لمن يريد أن يرى:
قوى تصعد عبر التحكم في مفاصل حساسة تمس العالم كله، وقوى أخرى تكتشف أن أدواتها التقليدية لم تعد كافية للحسم. النتيجة ليست توازناً مستقراً، بل حالة شد دائم، حيث لا أحد ينتصر بالكامل، لكن الجميع يدفع الثمن.
وسط هذا المشهد، يأتي السؤال الذي لم يعد يمكن تأجيله في الخليج والعالم العربي: أين نقف؟
الرهان الطويل على الحياد كان مفهوماً في زمن مختلف، لكنه اليوم يتحول إلى مخاطرة استراتيجية. لأن الحياد في لحظة إعادة توزيع القوة لا يُفسَّر كحكمة، بل كغياب. والغياب في السياسة لا يحمي، بل يفتح الباب لأن يقرر الآخرون نيابةً عنك.
الأخطر من ذلك أن الاستمرار في هذا النهج لا يعني فقط فقدان التأثير، بل خسارة الموقع. التاريخ لا يعاقب من يخطئ فقط، بل من يتأخر عن فهم اللحظة. والمنطقة الآن لا تنتظر أحداً، بل تُعاد صياغتها بسرعة، بمن يملك الجرأة على الفعل.
الشعوب تدرك ذلك قبل أي جهة أخرى. القلق يتصاعد، الأسئلة تتزايد، والثقة لم تعد تُبنى على الوعود بل على وضوح الاتجاه. الصبر الاستراتيجي الذي كان يُطرح كخيار عقلاني، بدأ يُفهم كعجز عن اتخاذ القرار في لحظة لا تحتمل التأجيل.
وهنا يجب قول ما يتجنب كثيرون قوله:
الاستمرار في إدارة المرحلة بعقلية “تجنب المخاطر” قد يكون هو الخطر الأكبر نفسه.
لأن ما يجري لا يترك مساحة آمنة دائمة. إما أن تصنع موقعك داخل المعادلة الجديدة، أو تُدفع إلى موقع لم تختره. إما أن تكون جزءاً من صياغة التوازنات، أو أحد نتائجها.
هذا لا يعني الاندفاع نحو الصراع، بل يعني كسر الجمود. يعني امتلاك قرار مستقل، ورؤية واضحة، وقدرة على التحرك قبل أن تضيق الخيارات. لأن كل يوم تأخير لا يحافظ على الاستقرار… بل يقلّص هامش المناورة.
الجملة التي يجب أن تُفهم الآن، قبل فوات الأوان:
الحياد لم يعد موقفاً… بل أصبح مخاطرة وجودية.
والحقيقة الأشد وضوحاً:
من لا يعيد تعريف موقعه في هذه اللحظة، سيستيقظ لاحقاً ليجد أن موقعه قد أُعيد تعريفه دون أن يُسأل.
هذه ليست دعوة للتصعيد، بل تحذير من الغياب.
وليست مبالغة، بل قراءة لمرحلة لا ترحم التردد.
المنطقة تقف على حافة تحول كبير.
والسؤال لم يعد: ماذا يحدث؟
بل: من يملك الشجاعة ليتصرف قبل أن يصبح خارج الحساب؟