إعلام حزب الله يغتال جوزاف عون معنوياً… لأن زمن الهيمنة يهتز
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
في لبنان، ليست المشكلة في خلاف سياسي عابر بين رئيس جمهورية وصحافي حزبي. ما يجري أخطر بكثير. نحن أمام لحظة تاريخية يشعر فيها مشروع كامل بأن الأرض بدأت تتحرك تحت أقدامه، ولذلك خرجت ماكينة التخوين والتحريض لتطلق النار مبكراً على الرئيس جوزاف عون، ليس لأنه فشل… بل لأن مجرد وجوده يهدد التوازن الذي حكم لبنان لسنوات طويلة.
المقال الذي كتبه إبراهيم الأمين لا يمكن قراءته كنص صحافي عادي، بل كوثيقة سياسية تعكس حجم الهلع داخل بيئة حزب الله من مرحلة جديدة قد تعيد الاعتبار إلى الدولة اللبنانية بعد سنوات من اختطاف القرار الوطني وربط لبنان بالكامل بمحاور الخارج.
حين يصف إبراهيم الأمين رئيس الجمهورية بأنه “ضحل فكرياً وسياسياً”، فهو لا يقدّم نقداً، بل يمارس عملية اغتيال معنوي منظمة، هدفها إسقاط صورة الرجل قبل أن تتحول إلى مشروع وطني جامع. لأن الخطر الحقيقي بالنسبة لهذا المحور ليس شخص جوزاف عون، بل فكرة أن يعود للبنان رئيس يتحدث باسم الدولة لا باسم المحور.
وهنا تكمن القصة كلها.
منذ سنوات، يعيش لبنان داخل معادلة غير طبيعية: دولة موجودة على الورق، ودويلة تتحكم بالقرار الحقيقي. جيش يُطلب منه الصمت، وسلاح يقرر الحرب والسلم. رئيس يُحاسَب على كل شيء، ومشروع فوق المحاسبة مهما كانت النتائج كارثية.
لكن ما تغير اليوم أن اللبنانيين بدأوا يطرحون السؤال الذي كان محرّماً: إذا كان مشروع “المقاومة” قد انتصر كما يقولون… فلماذا انهار لبنان؟
لماذا هربت الاستثمارات؟ لماذا سقط الاقتصاد؟ لماذا عُزل لبنان عربياً؟ لماذا أصبح الشباب يحلم فقط بالهجرة؟ ولماذا تحوّل بلد كان يُعرف بالحرية والانفتاح إلى ساحة خوف وانقسام وفقر؟
الحقيقة التي يحاول إعلام الممانعة دفنها تحت أكوام الشعارات، أن لبنان لم يسقط بسبب الدولة… بل بسبب ضرب الدولة. لم ينهَر بسبب الجيش… بل بسبب تهميش الجيش. ولم يُعزل بسبب الرئاسة… بل بسبب تحويله إلى منصة إيرانية مفتوحة على كل حروب المنطقة.
لهذا تحديداً، يخافون جوزاف عون.
لا لأن الرجل أعلن حرباً على أحد، ولا لأنه دخل مشروع مواجهة داخلية، بل لأنه يمثل النقيض الكامل لمنطق الميليشيا: فكرة الدولة، وفكرة المؤسسة، وفكرة أن يكون السلاح بيد الشرعية وحدها.
هم يدركون أن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس حرباً عسكرية، بل استعادة اللبنانيين لإيمانهم بالدولة. لأن سقوط “الخوف” يعني سقوط المنظومة كلها.
ولهذا بدأت حملة التشويه باكراً. تخوين. سخرية. تحريض. اتهامه بأنه “رجل أميركا والسعودية”. وكأن المطلوب من رئيس لبنان أن يكون تابعاً لطهران حتى يحصل على شهادة الوطنية!
لكن السؤال الذي يرفض هذا الفريق الإجابة عنه يبقى واضحاً: من الذي صادر قرار اللبنانيين طوال السنوات الماضية؟ من الذي أدخل لبنان في حروب لا يريدها شعبه؟ من الذي دمّر علاقات لبنان الخليجية التي عاش منها مئات آلاف اللبنانيين؟ ومن الذي جعل العالم ينظر إلى لبنان كدولة مخطوفة لا كدولة مستقلة؟
إن أخطر ما في خطاب إبراهيم الأمين ليس الهجوم على جوزاف عون، بل العقلية التي تقف خلف هذا الهجوم: عقلية تعتبر أن أي مشروع دولة هو تهديد، وأن أي رئيس لا يخضع بالكامل لمنطق السلاح يصبح عدواً يجب تحطيمه.
وهنا تظهر الحقيقة التي تغيّرت في المنطقة كلها: زمن الميليشيات لم يعد كما كان.
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة تُبنى فيها الدول على المصالح والاستقرار والاقتصاد، لا على الحروب المفتوحة والشعارات العقائدية. وحتى البيئة العربية والدولية التي كانت تتعامل سابقاً مع لبنان بحذر، باتت ترى بوضوح أن لا أمل بإنقاذ البلد ما دام القرار السيادي موزعاً بين الدولة والسلاح.
لهذا، فإن المعركة ضد جوزاف عون ليست معركة على شخص. إنها معركة على هوية لبنان المقبلة: هل يعود دولة عربية طبيعية؟ أم يبقى رهينة مشروع إقليمي يعيش على الأزمات والانقسامات؟
اليوم، يرتجف إعلام حزب الله لأن الصورة بدأت تتبدل. لأن اللبنانيين تعبوا من الخراب. وتعبوا من تقديس الفشل. وتعبوا من إعلام يرفع شعار السيادة بينما يغطي أكبر عملية مصادرة للسيادة في تاريخ لبنان الحديث.
الحقيقة التي لا يريدون سماعها أصبحت واضحة: حين تخاف الميليشيا من رئيس دولة… فهذا اعتراف ضمني بأن زمن الهيمنة المطلقة بدأ ينهار.
وربما للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، أصبح الخوف الحقيقي ليس على الدولة من حزب الله… بل على حزب الله من عودة الدولة.