العالم يقرأ المشهد خطأ: لا خلاف بين السعودية والإمارات
بقلم الكاتب و الباحث السياسي عبد الحميد عجم
التباين الاستراتيجي ليس صراعًا، بل إعادة تشكيل لموازين القوة في الخليج
في كل مرة تتحرك فيها دولة خليجية خارج القوالب التقليدية، يسارع جزء من التحليل الدولي إلى القفز نحو الاستنتاج الأسهل: “هناك انقسام”. لكن ما يحدث اليوم بين السعودية والإمارات، خاصة في سياق خروج أبوظبي من “أوبك”، لا يمكن فهمه بهذه العدسة المبسطة. ما يجري ليس خلافًا، بل تحوّل أعمق في طريقة إدارة القوة والمصالح داخل الخليج.
لأكثر من عقد، شكّلت الرياض وأبوظبي محورًا رئيسيًا في استقرار المنطقة، قائمًا على تنسيق عالٍ في الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية. لكن هذا التنسيق لم يكن يومًا قائمًا على التطابق الكامل، بل على تقاطع المصالح مع احتفاظ كل طرف بهامش سيادي للحركة. اليوم، هذا الهامش يتسع ليس نتيجة تباعد، بل نتيجة نضج.
خروج الإمارات من “أوبك” يُقدَّم في كثير من القراءات كإشارة توتر، بينما هو في جوهره قرار سيادي اقتصادي يعكس واقعًا بسيطًا: دولة استثمرت بكثافة في قدراتها الإنتاجية، ولم يعد من المنطقي أن تبقى مقيّدة بسقوف لا تعكس وزنها الفعلي. في المقابل، تتبنى السعودية مقاربة مختلفة تقوم على استقرار الأسعار وإدارة السوق من موقع القيادة. هذا ليس تناقضًا بقدر ما هو اختلاف في الأدوات لتحقيق أهداف متقاربة.
الخطأ في القراءة الدولية يكمن في الخلط بين “التباين” و”الصراع”. فالدول الكبرى لا تعمل بنسخة واحدة من السياسات، بل توزّع أدوارها وفق أولوياتها. ما تفعله الإمارات هو تعظيم مرونتها الاقتصادية، وما تفعله السعودية هو تثبيت استقرار السوق. وبين النهجين، لا يوجد صدام حتمي، بل مساحة تكامل إذا أُديرت بذكاء.
الأهم أن هذا التباين يحدث في لحظة إقليمية حساسة. المنطقة تواجه تحديات متشابكة، من أمن الممرات البحرية إلى تقلبات أسواق الطاقة وصعود تنافس دولي محتدم. في مثل هذا السياق، فإن تصوير العلاقة السعودية
الإماراتية كخلاف ليس فقط قراءة سطحية، بل طرح يخدم بشكل غير مباشر أطرافًا تنتظر أي إشارة ضعف في التماسك الخليجي.
إيران، التي تبني جزءًا من استراتيجيتها على استثمار الفجوات الإقليمية، وإسرائيل، التي توسّع حضورها في بيئة عربية متغيرة، كلاهما يستفيد من تضخيم أي تباين وتحويله إلى “انقسام”. لكن الواقع أكثر تعقيدًا: الخليج لا يتفكك، بل يعيد ترتيب نفسه.
من زاوية أوسع، يعكس هذا التحول حقيقة أكبر: العالم نفسه لم يعد كما كان. “أوبك” لم تعد تحتكر التأثير كما في السابق، وسوق الطاقة لم يعد يُدار فقط عبر التنسيق الجماعي الصارم. في هذا المشهد الجديد، تميل الدول الأكثر قدرة إلى تنويع أدواتها بدل الالتزام بنموذج واحد. وهذا ما تفعله الإمارات، دون أن يعني ذلك خروجًا من الإطار الخليجي أو مواجهة مع السعودية.
بل على العكس، قد يكون ما نشهده بداية لمرحلة أكثر نضجًا، تقوم على “وحدة الهدف وتعدد الوسائل”. مرحلة لا تُقاس فيها قوة التحالف بمدى تطابق السياسات، بل بقدرته على استيعاب الاختلاف دون أن يتحول إلى صراع.
السيناريو الأخطر ليس في اختلاف المسارات، بل في سوء إدارتها أو سوء فهمها. فإذا تُركت القراءات السطحية تقود المشهد، فقد تتحول الفروقات الطبيعية إلى توترات مصطنعة. أما إذا أُديرت بوعي استراتيجي، فإن هذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة مضاعفة.
الخلاصة أن ما يجري ليس قصة خلاف، بل قصة تحوّل. والخليج، بقيادته وثقله، يمتلك من الخبرة ما يكفي لتحويل هذا التحول إلى فرصة، لا إلى أزمة. أما من يصرّ على قراءة المشهد بمنطق الصراع، فهو لا يرى الصورة كاملة.
في عالم يتغير بسرعة، لا تتفكك الشراكات القوية… بل تعيد تعريف نفسها. والسعودية والإمارات، رغم اختلاف المسارات أحيانًا، تدركان أن ما يجمعهما أكبر بكثير مما يفرقهما. لذلك، فإن الحقيقة البسيطة التي يغفلها كثيرون هي:
ليس كل اختلاف خلافًا… وليس كل تباين انقسامًا.