جوزيف عون... الرئيس الذي أربك المحاور وانتصر للبنان
بقلم الرئيسة التحرير ليندا المصري
في لحظات التحول الكبرى، يخرج من يكتب التاريخ، ويخرج من يكتفي بقراءته. وبين الاثنين، يقف رجال الدولة الذين لا يبحثون عن التصفيق، بل عن إنقاذ أوطانهم من الانهيار. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربة الرئيس العماد جوزيف عون محاولة لإعادة لبنان إلى معادلة الدولة، بعد سنوات طويلة من تحوله إلى ساحة تتقاطع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية.
من السهل كتابة مقالات تبني سيناريوهات مثيرة، وتربط كل خطوة سياسية بمؤامرة كبرى، لكن الأصعب هو الاعتراف بأن الدولة لا تُدار بالعناوين الصاخبة، بل بالقرارات الهادئة التي تحمي المصلحة الوطنية. فالدبلوماسية ليست استسلاماً، والانفتاح ليس تنازلاً، والحوار مع القوى الدولية لا يعني التخلي عن السيادة، بل قد يكون الطريق الوحيد لحمايتها في عالم تحكمه موازين القوة والمصالح.
إن تصوير الرئيس جوزيف عون وكأنه ينفذ إرادة الخارج يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن أي رئيس مسؤول في لبنان لا يستطيع إدارة ظهره للمجتمعين العربي والدولي، كما لا يستطيع في الوقت نفسه أن يتخلى عن الثوابت الوطنية. السياسة ليست شعارات، بل إدارة دقيقة للتوازنات، وتحويل الضغوط إلى فرص، والأزمات إلى مخارج.
أما القراءة التي تحاول اختزال المشهد اللبناني في معادلة «هذا المحور أو ذاك»، فهي قراءة تفتقد إلى عنصر الدولة. فلبنان لا يحتاج إلى استبدال وصاية بأخرى، ولا إلى تغيير أسماء اللاعبين، بل يحتاج إلى ترسيخ فكرة أن القرار الوطني يجب أن يصدر من المؤسسات الدستورية وحدها، وأن تكون مصلحة اللبنانيين هي البوصلة الوحيدة.
الرئيس جوزيف عون لم يرفع شعار المواجهة مع اللبنانيين، بل رفع شعار استعادة الدولة. وهذه ليست معركة ضد فئة أو طائفة أو حزب، بل معركة من أجل أن يصبح القانون فوق الجميع، وأن يعود الجيش والمؤسسات الشرعية المرجعية الوحيدة لحماية الوطن.
إن قوة الرؤساء لا تُقاس بعدد الخطب التي يلقونها، بل بقدرتهم على الحفاظ على وحدة البلاد وسط العواصف. واليوم، يقف لبنان أمام مفترق طرق: إما أن يستمر رهينة الانقسامات والمحاور، وإما أن يمنح الأولوية لمشروع الدولة، الذي لا ينتصر فيه رئيس على خصومه، بل ينتصر الوطن على أزماته.
قد تختلف الآراء حول السياسات، وهذا حق مشروع، لكن تحويل كل خطوة يقوم بها رئيس الجمهورية إلى مادة للتشكيك الدائم لا يخدم الحوار الوطني، بل يزيد الانقسام. والنقد الحقيقي لا يقوم على التسريبات أو الانطباعات، بل على الوقائع والنتائج.
سيبقى المعيار الوحيد لأي قيادة هو قدرتها على حماية السيادة، وتعزيز المؤسسات، وإعادة الثقة بالدولة. وإذا نجح لبنان في استعادة هذه المبادئ، فلن يكون انتصاراً لرئيس، ولا لحكومة، ولا لفريق سياسي، بل انتصاراً للبنان نفسه.
يحيا الرئيس جوزيف عون، لأن رهانه الأول هو الدولة، ولأن الوطن لا يبنى بالمحاور، بل بالإرادة الوطنية. ويحيا لبنان، عندما يكون هو القرار... وهو الغاية.