هل دخل نظام إيران مرحلة العد التنازلي؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
حين يصبح سقوط النظام موضوعاً للنقاش داخل أروقة السلطة، تكون أخطر معاركه قد بدأت من الداخل
.في علم السياسة، لا تبدأ نهاية الأنظمة بسقوط العواصم، ولا بانفجار الشوارع، ولا حتى بتصاعد الضغوط الخارجية. البداية الحقيقية تكون عندما يفقد النظام احتكاره لفكرة البقاء، وعندما يتحول الحديث عن نهايته من محرّم سياسي إلى احتمال واقعي يتداوله خصومه وأنصاره على حد سواء.
وهذا، على ما يبدو، هو التحول الأكثر عمقاً الذي تعيشه إيران اليوم.
فعلى امتداد أكثر من أربعة عقود، لم تكن الجمهورية الإسلامية تُقدَّم باعتبارها مجرد نظام حكم، بل باعتبارها مشروعاً عقائدياً وتاريخياً يتجاوز حدود الدولة. كانت شرعيتها تقوم على فكرة أنها ليست مرحلة سياسية قابلة للتغيير، وإنما قدرٌ تاريخي يرتبط برؤية دينية وثورية. لذلك، لم يكن التشكيك في بقائها مجرد خلاف سياسي، بل كان يُصوَّر باعتباره خروجاً على الثوابت.
لكن المشهد تغير.
لم يعد الحديث عن تغيير النظام مقتصراً على قوى المعارضة في الخارج، ولا على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبح يتردد داخل مؤسسات الدولة، وعلى ألسنة مسؤولين سابقين وحاليين، ومثقفين، ورجال دين، وشخصيات كانت حتى وقت قريب جزءاً من المنظومة السياسية نفسها.
وهنا يكمن التحول الأخطر.
فحين يبدأ النظام بمناقشة احتمالات نهايته، فإنه يكشف، من حيث لا يريد، عن تصدع في بنيته النفسية والسياسية. فالدولة التي تضطر للدفاع عن حقها في البقاء، تكون قد انتقلت من موقع المبادرة إلى موقع الدفاع.
إن أخطر ما تواجهه الجمهورية الإسلامية اليوم ليس العقوبات الاقتصادية، ولا الضغوط العسكرية، ولا حتى الاحتجاجات الشعبية، وإنما تآكل هيبة الاستمرار. التي شكلت لعقود أحد أهم مصادر قوتها.
لقد أدركت القيادة الإيرانية أن السيطرة الأمنية قد تؤجل الأزمة، لكنها لا تستطيع إنهاء أسبابها. كما أن الحرب، مهما وفرت من تعبئة وطنية مؤقتة، لا تستطيع أن تعالج التصدعات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة.
ومن هنا، تبدو الحرب بالنسبة لبعض مراكز القرار وسيلة لإدارة الأزمة، لا لحلها.
فالسلام سيعيد الأسئلة المؤجلة إلى الواجهة: لماذا تتسع دائرة الفقر؟ لماذا يتراجع الاقتصاد؟ لماذا تتزايد الفجوة بين الدولة والمجتمع؟ ولماذا لم تعد الشعارات الثورية قادرة على إقناع الأجيال الجديدة؟
هذه الأسئلة، في نظر الأنظمة العقائدية، أكثر خطورة من أي تهديد خارجي؛ لأنها تستهدف شرعية النظام من الداخل.
لكن، في المقابل، فإن قراءة المشهد الإيراني تظل ناقصة إذا اختُزلت في الحديث عن ضعف النظام فقط.
فالمعارضة الإيرانية، رغم تنوعها واتساعها، ما زالت عاجزة عن تقديم مشروع وطني موحد يطمئن الداخل الإيراني. فهي تتفق على إسقاط النظام، لكنها تختلف حول شكل الدولة المقبلة، وهو ما يمنح السلطة مساحة إضافية للمناورة.
وهنا تتجلى إحدى أهم حقائق التحولات السياسية: فالأنظمة لا تسقط لمجرد أنها ضعفت، بل عندما يظهر بديل أكثر قدرة على إدارة الدولة وإقناع المجتمع.
ولهذا، فإن السؤال الأهم اليوم ليس: هل يستطيع النظام الصمود؟ بل: هل تمتلك المعارضة مشروعاً قابلاً للحياة؟
إيران تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي.
فالشرعية العقائدية التي شكلت أساس النظام منذ عام 1979 تتعرض لاختبار غير مسبوق، والانقسامات داخل النخبة الحاكمة لم تعد خافية، كما أن المجتمع الإيراني لم يعد ينظر إلى المستقبل باليقين نفسه الذي كان سائداً قبل عقود.
إن أخطر ما في المشهد ليس الاحتجاجات، ولا العقوبات، ولا الحرب، بل انهيار الحاجز النفسي الذي كان يجعل مجرد التفكير في تغيير النظام أمراً مستحيلاً.
وحين يسقط هذا الحاجز، يصبح كل شيء قابلاً لإعادة التفكير.
قد ينجح النظام في احتواء أزماته، وقد يتمكن من إعادة ترتيب موازين القوى، وربما يطيل عمره سنوات أخرى. لكن المؤكد أن إيران دخلت مرحلة مختلفة؛ مرحلة لم يعد فيها بقاء النظام حقيقة بديهية، بل سؤالاً سياسياً مفتوحاً.
والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تبدأ بالسقوط عندما تخسر أول معركة، وإنما عندما تخسر يقينها بأنها باقية.
لذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية ستسقط غداً أو بعد سنوات، بل ما إذا كانت قد دخلت بالفعل مرحلة العد التنازلي التي تبدأ في العقول قبل أن تظهر نتائجها على الأرض.
فقد أثبتت تجارب التاريخ أن انهيار الأنظمة لا يبدأ من الشارع...
بل يبدأ في اللحظة التي يتحول فيها الخوف من الحديث عن نهايتها إلى خوفٍ من استمرارها.