ترامب لم يكن يخاطب الرياض... بل كان يفاوض واشنطن

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

ترامب لم يكن يخاطب الرياض... بل كان يفاوض واشنطن

لم يكن تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي ربط الاتفاق النووي المدني مع المملكة العربية السعودية بالتطبيع مع إسرائيل، إعلاناً عن شرط تفاوضي جديد، بقدر ما كان محاولة لإدارة توازنات داخلية فرضتها تعقيدات المشهد السياسي الأميركي. فالصفقات الاستراتيجية لا تُعاد صياغتها عبر منصة إعلامية بعد توقيعها، بل تُحسم خلف أبواب التفاوض، حيث تُكتب الالتزامات وتُحدد المصالح وتُقفل الملفات.

من هذه الزاوية، يصبح تصريح ترامب حدثاً سياسياً موجهاً إلى الداخل الأميركي أكثر منه رسالة إلى الرياض. فالرئيس الذي وافق على اتفاق تفاوضت عليه مؤسسات دولته لسنوات، كان يدرك أن منح السعودية امتيازات نووية تتجاوز ما عُرف بـ"المعيار الذهبي" سيصطدم حتماً بمعارضة داخل الكونغرس، كما سيواجه حملة ضغط تقودها دوائر ترى في أي قدرة سعودية على تخصيب اليورانيوم تحولاً استراتيجياً يمس التفوق الإسرائيلي في المنطقة.

لذلك، بدا ربط الاتفاق بالتطبيع أقرب إلى عملية إعادة تسويق سياسي للصفقة داخل واشنطن، لا إلى إعادة تفاوض مع الرياض. فالرئيس الأميركي لم يكن يضيف شرطاً إلى اتفاق أُنجز، بل كان يوفر غطاءً سياسياً لاتفاق يعلم أن تمريره لن يكون سهلاً داخل مؤسسات الحكم الأميركية.

ولو كان التطبيع جزءاً من البنية القانونية للاتفاق، لما غاب عن النصوص الرسمية التي سبقت التوقيع، ولما ظهر بعد اكتمالها في تصريح سياسي منفصل. ففي العلاقات الدولية، النصوص هي التي تُلزم الدول، أما التصريحات فغالباً ما تُستخدم لإدارة التوازنات، واحتواء الاعتراضات، وتهدئة مراكز النفوذ.

أما الرسالة السعودية، فجاءت بصمتٍ يحمل دلالات أكبر من أي بيان. لم تدخل الرياض في سجال، ولم تتعامل مع تصريحات ترامب باعتبارها أساساً قانونياً جديداً، لأنها تدرك أن الاتفاق انتهى لحظة التوقيع، وأن أي إضافة لاحقة لا تغيّر من مضمونه. ذلك يعكس تحولاً عميقاً في موقع المملكة داخل المعادلة الدولية؛ فهي لم تعد تفاوض بوصفها دولة تبحث عن ضمانات أميركية، بل بوصفها قوة إقليمية تمتلك بدائل استراتيجية تجعل الشراكة مع واشنطن خياراً متبادلاً، لا علاقة أحادية الاتجاه.

في جوهره، لم يكن الاتفاق النووي مجرد مشروع للطاقة، بل اعترافاً أميركياً بأن البيئة الجيوسياسية تغيّرت. فالتنافس مع الصين وروسيا لم يعد يدور حول الأسواق والسلاح فقط، بل امتد إلى التكنولوجيا النووية والتحالفات الاستراتيجية. وفي هذا السياق، أدركت واشنطن أن خسارة السعودية ستكون أثقل كلفة من مراجعة بعض ثوابتها التقليدية في التعاون النووي.

لهذا، فإن قراءة تصريح ترامب بوصفه تعديلاً لشروط الاتفاق تُغفل جوهر ما جرى. فالرجل لم يكن يعيد التفاوض مع الرياض، بل كان يفاوض الداخل الأميركي، ويبعث برسائل طمأنة إلى الكونغرس وإلى الدوائر المؤثرة في القرار، من دون المساس بجوهر صفقة أصبحت جزءاً من إعادة تشكيل التوازنات الدولية.

وفي السياسة، كثيراً ما تكون التصريحات موجّهة إلى الجمهور، بينما تُصنع القرارات في مكان آخر. وما صدر عن ترامب لم يكن إعادة كتابة للاتفاق، بل محاولة لإعادة كتابة روايته السياسية داخل واشنطن.