لبنان بين واشنطن ودمشق... هل تتغير قواعد اللعبة؟

بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري

لبنان بين واشنطن ودمشق... هل تتغير قواعد اللعبة؟

إن الرواية المتداولة، والمنسوبة إلى الكاتبة السياسية سابين عويس، والتي تتحدث عن استعداد الشرع للتعامل مع ملف حزب الله، لا تمثل حتى الآن حقيقة رسمية مثبتة، وإنما معلومة إعلامية منسوبة إلى مصادر سياسية. غير أن الاكتفاء بمناقشة مدى صحتها يفقدنا رؤية الصورة الأكبر.

فالسياسة ليست علماً للوقائع فقط، بل أيضاً علماً للرسائل.

وفي السياسة، قد تكون الرسالة أهم من الحدث نفسه.

إذا كانت واشنطن قد أمضت سنوات طويلة في إدارة النفوذ الإيراني عبر العقوبات والردع العسكري والضربات الإسرائيلية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل وصلت هذه الأدوات إلى حدود فعاليتها؟ وهل بدأت الإدارة الأمريكية أو بعض دوائرها في البحث عن مقاربة أقل كلفة وأكثر استدامة؟

إذا صح ذلك، فإن ما يُطرح ليس استبدال إسرائيل بسوريا، بل توسيع أدوات إدارة النفوذ.

وهنا يكمن جوهر التحول.

فالحديث المتداول لا يتناول مواجهة عسكرية داخل لبنان، ولا إعادة إنتاج الوصاية السورية التي انتهت عام 2005، بل يتحدث في جوهره عن إمكانية استخدام أدوات أمنية ولوجستية وسياسية، تبدأ من الحدود ولا تنتهي عند إعادة رسم خطوط النفوذ.

إن من يقرأ المشهد بعين الجغرافيا السياسية يدرك أن السيطرة على الممرات لا تقل أهمية عن السيطرة على المدن، وأن إغلاق طريق قد يكون أكثر تأثيراً من إطلاق صاروخ.

ولهذا، فإن أي حديث عن ضبط الحدود السورية، أو تضييق مسارات الإمداد، أو إعادة تنظيم المجال الأمني، لا يستهدف حزب الله بوصفه تنظيماً فحسب، بل يستهدف البيئة الاستراتيجية التي تمنحه القدرة على الحركة والاستمرار.

وهنا تنتقل المعركة من الميدان إلى الجغرافيا.

ومن السلاح إلى اللوجستيات.

ومن المواجهة المباشرة إلى استنزاف النفوذ.

لكن ثمة بعداً آخر أكثر أهمية.

فإذا كان أحمد الشرع قد طرح بالفعل هذا التصور وفق الرواية المتداولة فإن الرسالة الضمنية ليست موجهة إلى واشنطن وحدها، بل إلى المجتمع الدولي بأسره.

إنها محاولة لتقديم سوريا الجديدة بوصفها دولة قادرة على إنتاج الحلول، لا مجرد دولة تبحث عن رفع العقوبات أو كسر العزلة.

بمعنى آخر، تحاول دمشق إذا صحت هذه القراءة الانتقال من موقع المشكلة إلى موقع الشريك المحتمل.

وهذا تحول سياسي بالغ الأهمية.

غير أن المشهد لا يكتمل من دون الطرف الثالث الغائب الحاضر في كل هذه المعادلة.

إيران.

فالاسم قد لا يرد كثيراً في التصريحات، لكنه حاضر في كل سطر من المشهد.

إذ إن أي حديث عن إعادة تشكيل العلاقة مع حزب الله هو، في جوهره، حديث عن مستقبل النفوذ الإيراني في المشرق العربي.

وهنا تتجاوز القضية حدود لبنان وسوريا.

إنها تتعلق بالسؤال الأكبر:

هل نشهد بداية انتقال الشرق الأوسط من مرحلة محاور الصدام إلى مرحلة إعادة توزيع الأدوار؟

قد يكون من المبكر الجزم بذلك.

فالسياسة الدولية لا تُبنى على تسريب، ولا تُحسم بتصريح إعلامي، ولا تتغير بمجرد لقاء سياسي.

لكنها أيضاً لا تتحرك من فراغ.

والتاريخ يعلمنا أن معظم التحولات الكبرى بدأت بإشارات صغيرة لم يلتفت إليها كثيرون في حينها.

من هنا، فإن الخطأ الأكبر ليس في تصديق كل ما يُتداول، وإنما في تجاهل الدلالات التي تحملها هذه الروايات.

فالتحليل الاستراتيجي لا يبحث فقط عما حدث، بل يحاول استشراف ما قد يكون قيد التشكل.

ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لهذه الرواية لا تكمن في إثباتها أو نفيها، بل في أنها تكشف عن اتجاه جديد في التفكير السياسي، يقوم على إعادة تعريف الأدوار الإقليمية، واستخدام أدوات النفوذ الناعمة والأمنية بدلاً من الاقتصار على القوة العسكرية التقليدية.

ويبقى السؤال الذي سيحدد ملامح المرحلة المقبلة:

هل نحن أمام مناورة سياسية عابرة، أم أمام إعادة هندسة صامتة للنظام الإقليمي؟

لا أحد يملك الإجابة النهائية.

لكن المؤكد أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند عتبة مرحلة جديدة، وأن الخرائط لا يعاد رسمها دائماً بالدبابات والطائرات، بل كثيراً ما تبدأ بكلمات تُقال خلف أبواب مغلقة، ثم تتحول، مع مرور الوقت، إلى حقائق تصنع التاريخ.

ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن ما يجري ليس صراعاً على الأراضي بقدر ما هو صراع على تعريف من يملك حق إدارة الإقليم. فالدول لا تتنافس اليوم على احتلال الجغرافيا، بل على احتكار الدور. ومن ينجح في تقديم نفسه بوصفه شريكاً ضرورياً في إدارة الأزمات، يضمن لنفسه مكاناً على طاولة رسم المستقبل.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من سيدخل لبنان؟

بل: من سيملك مفاتيح التأثير في لبنان، وفي الإقليم، خلال العقد القادم؟

ذلك هو السؤال الذي يستحق أن يُطرح... لأنه وحده قد يفسر ما يبدو اليوم مجرد تسريب، بينما قد يكون غداً عنواناً لتحول استراتيجي واسع.