من هرمز إلى باب المندب: إيران تشعل الورقة التي قد تنهي نفوذها

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

من هرمز إلى باب المندب: إيران تشعل الورقة التي قد تنهي نفوذها

في عالم السياسة، هناك لحظات تتحول فيها أدوات القوة إلى نقاط ضعف، وتصبح الأوراق التي صُممت للردع سبباً في استدعاء خصوم أكثر عدداً وأكثر قوة. وربما تكون هذه هي المفارقة الكبرى في الاستراتيجية الإيرانية اليوم: ما اعتبرته طهران لعقود مصدر نفوذ استثنائي قد يتحول إلى العامل الذي يسرّع في محاصرة هذا النفوذ.

من مضيق هرمز إلى باب المندب، اختارت إيران أن تجعل من الجغرافيا البحرية ورقة ضغط استراتيجية. فالموقع الذي منحها أهمية تاريخية، أصبح جزءاً من معادلة صراع تتجاوز حدود المنطقة، لأن هذه الممرات ليست مجرد ممرات إقليمية، بل شرايين حيوية للاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية.

لكن الحسابات الاستراتيجية لا تُقاس فقط بما تستطيع الدولة تهديده، بل بما تستطيع تحمّل نتائجه.

فحين تُلوّح أي قوة بإغلاق ممرات بحرية تمر عبرها مصالح عالمية ضخمة، فإنها لا تواجه خصماً واحداً فقط، بل تدفع أطرافاً مختلفة المصالح إلى الاقتراب من بعضها تحت عنوان واحد: حماية حرية الملاحة ومنع تحول البحار الدولية إلى أدوات ابتزاز سياسي.

وهنا يظهر التناقض الأكبر في الحسابات الإيرانية.

فطهران أرادت أن تجعل من هرمز وباب المندب مصدر نفوذ يمنحها قدرة على الضغط، لكنها قد تكون ساهمت في تحويلهما إلى سبب لتوسيع الحضور الدولي والإقليمي في المنطقة. فكل تهديد للملاحة لا يزيد قوة الورقة الإيرانية بالضرورة، بل قد يمنح الآخرين مبررات أكبر للتدخل وإعادة ترتيب قواعد اللعبة.

المعادلة الجديدة أصبحت واضحة: السيطرة على الممرات البحرية لا تعني بالضرورة امتلاكها. فالعالم الحديث لا يسمح بأن تصبح طرق التجارة والطاقة رهينة قرار أي طرف، مهما كان موقعه الجغرافي أو حجم نفوذه العسكري.

ومن هنا فإن الخطر الحقيقي على إيران ليس فقط في احتمال المواجهة مع خصومها، بل في احتمال فقدانها للميزة التي بنت عليها جزءاً كبيراً من استراتيجيتها الإقليمية. فكلما رفعت سقف التهديد، اتسعت دائرة الدول التي ترى أن مواجهة هذا النفوذ أصبحت ضرورة لحماية مصالحها.

أما استخدام جماعة الحوثي كورقة في البحر الأحمر، فإنه يفتح أمام طهران معضلة إضافية. فالمناورة التي تهدف إلى إيصال رسالة ضغط قد تتحول إلى لحظة تكشف حدود القدرة على التحكم بالتصعيد. لأن باب المندب ليس ملفاً يمنياً أو إقليمياً فقط، بل نقطة اتصال بين قارات وأسواق واقتصادات كبرى.

التاريخ البحري مليء بالدروس: القوى التي حاولت استخدام الممرات التجارية كسلاح سياسي اكتشفت أن العالم قد يتسامح مع الخلافات، لكنه لا يقبل طويلاً بتهديد شرايين التجارة التي يعتمد عليها الجميع.

لهذا فإن السؤال لم يعد: هل تستطيع إيران تهديد هرمز وباب المندب؟

السؤال الأعمق هو: هل تستطيع إيران استخدام هذه الأوراق من دون أن تدفع العالم إلى بناء استراتيجية طويلة الأمد لتقليص نفوذها؟

قد تكون طهران أرادت أن تقول للعالم: نحن نملك مفاتيح البحار. لكن الرسالة التي قد تصل إلى العالم هي مختلفة تماماً: هذه المفاتيح يجب ألا تبقى بيد طرف واحد.

وهنا تكمن المفارقة التاريخية الكبرى: قد تكون إيران، وهي تحاول حماية نفوذها، قد أشعلت بنفسها الورقة التي ستدفع خصومها إلى توحيد صفوفهم أكثر من أي وقت مضى.

فالمعركة الحقيقية لم تعد فقط على المضائق، بل على مستقبل النفوذ في المنطقة. ومن يعتقد أن إغلاق الممرات يمنحه انتصاراً سريعاً، قد يكتشف أن أخطر ما يمكن أن يخسره هو المكانة التي بناها حولها.