عقبات أمنية وقضائية تعيق التعاون اللبناني السوري على الحدود
العميد م. ناجي ملاعب*يرى الخبراء المهتمون بالوضع الحدودي بين لبنانوسوريا أن تحقيق ضبط كامل للحدود السورية لا يزال أمراً بعيد المنال، رغم الوفود الرسمية وعلى المستويات العليا بين البلدين، وينصحون بأن تتحول التفاهمات السياسية إلى لجان حدودية مشتركة، وضباط ارتباط في المنافذ، وآليات لتبادل المعلومات بشأن شبكات التهريب والمطلوبين، ضمن جداول زمنية قابلة للمراجعة.بعد انتهاء مفاعيل قانون قيصر واستعادة سوريا حركتها التجارية الحرة وتفعيل مرافقها ومرافئها لم يعد تهريب الكثير من المواد من اهتمام عصابات التهريب، وهذا لا يشمل سكة المخدرات والسلاح والممنوعات، بالطبع. لكن تهريب الأشخاص من سوريا وإليها ما زال جارياً، ومطالبة السلطة السورية بالقبض على مسؤولين من النظام السابق لجأوا إلى لبنان وتسليمهم مسألة قد تشكل مدخلاً للتعاون الأمني المطلوب بقوة من السلطة السورية وفاتحة مرحلة من الثقة بين البلدين. ولن أتطرق إلى الملف القضائي الذي سلك طريقه القانوني وأصبح على السكة الصحيحة، بل سوف أعرض لمسألتي انتقال الأشخاص وتسليم المطلوبين فقط.1- في مسألة تهريب الأشخاصأفادت أحدث بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بعودة نحو 1.8 مليون شخص من دول مجاورة حتى أواخر آب- أغسطس الماضي. وسجلت المفوضية نحو 719 ألف عودة من لبنان، بينما لا يزال مئات الآلاف مسجلين لديها هناك. وتقول دلال حرب، المتحدثة باسم المفوضية في لبنان، إن أكثر من 630 ألف لاجئ سوري مسجلين لديها عادوا منذ بدء حركة العودة في كانون الثاني- يناير 2025.ومن مقابلات شخصية لبعض العمال السوريين في لبنان يتبيّن أن أهم مطلب لهؤلاء هو فرص العمل التي ما زالت غير متوفرة حالياً في مدنهم وقراهم، بينما تتوافر في لبنان الكثير من تلك الفرص وفي عدة مجالات، وهذا الأمر ليس بجديد فلبنان يعتمد في الكثير من قطاعاته على العمالة السورية.من هنا فإن تنظيم وزارة العمل لإجازات العمل وتسهيل الحصول على الإقامات، وإيلاء موضوع دخول العائلات، ريثما تتوافر ظروف العودة الكريمة، يقضي بتفعيل التنسيق ما بين دوائر الأمن العام على المعابر، ومن المفضّل استحداث لجان متخصصة بين جهازي البلدين، وبذلك يتم القضاء على التسرّب عبر المعابر غير النظامية.2- في مسألة تسليم المطلوبينيجب ألا يتسبب هذا المطلب بأي إشكالية، فالاتفاق القضائي اللبناني-السوري الموقّع في دمشق بتاريخ 25 شباط- فبرابر 1951، يتضمن أحكاماً صريحة بشأن تسليم المجرمين والملاحقين قضائياً وتنفيذ الأحكام الجزائية. وقد صدّق لبنان عليه بموجب قانون صدر في 27 تشرين الأول 1951، ونُشر في الجريدة الرسمية رقم 44 بتاريخ 31 تشرين الثاني- نوفمبر 1951 وما زال معمولاً به، حتى بعد إقرار معاهدة الأخوّة والتعاون والتنسيق بين لبنان وسوريا عام 1991 والتوقيع في عام 1996 على ملحق للاتفاق القضائي لعام 1951، يختص بتعزيز تبادل المعلومات والسجلات العدلية والتعاون القضائي.أهمية هذه الاتفاقية تتجاوز مسألة تسليم المجرمين، لأنها تضع أساساً قانونياً للتعاون الأمني والقضائي بين دولتين تتداخل حدودهما ومصالحهما وملفاتهما الأمنية. لكن الاتفاقية، وهذا ما ينبغي تنبيه الجانب السوري له، لا تجعل مجرد وجود اسم شخص على لائحة المطلوبين الأمنية كافياً لتسليمه؛ بل تشترط وجود ملف قضائي مستوفٍ للشروط المحددة فيها.فالاتفاقية تحدد في المادة العاشرة منها مساراً قضائياً واضحاً: بحيث يقدم النائب العام المختص في الدولة الطالبة طلب التسليم - والمتضمن نوع الملاحقة ومذكرة التوقيف أو الحكم الصادر - إلى النائب العام المختص في الدولة المطلوب منها التسليم.يتخذ النائب العام في الدولة المطلوب منها التسليم قراراً معللاً بشأن الطلب. فإذا وافق على التسليم، يحيل القرار إلى المرجع المختص لتنفيذه. وإذا رفض الطلب، يعرض القرار على وزير العدل، الذي يستطيع إبلاغ نظيره في الدولة الطالبة أو إحالة القضية خلال 15 يوماً إلى لجنة التسليم في البلدين.وهنا نلاحظ أن الاتفاقية لم تجعل قرار التسليم إجراءً أمنياً تتخذه أجهزة الشرطة بصورة مستقلة، بل ربطته بالسلطات القضائية والنيابات العامة ووزارتي العدل. وهذا يصون القضاء في البلدين ويمهّد لتسليم المطلوبين.ويكون مفتاح تسهيل أي مطلوب هو تكوين الملف القضائي قبل الطلب من لبنان التوقيف والتسليم.- المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة النهار الإعلامية
تواجه جهود تعزيز التنسيق الأمني بين لبنان وسوريا تحديات جوهرية تتمحور حول ملفين حساسين: قضية تهريب الأشخاص والمطالبة بتسليم مسؤولين من السلطة السابقة، وهما الملفان اللذان يمكن أن يشكلا نقطة انطلاق لبناء ثقة حقيقية بين الجانبين.
يؤكد المتخصصون في الشؤون الحدودية أن ضبط الحدود بشكل كامل يتطلب خطوات عملية تجاوز الاتفاقيات السياسية العامة، حيث يستلزم الأمر تشكيل لجان حدودية متخصصة وتبادل معلومات منتظم حول شبكات التهريب والمطلوبين وفق جداول زمنية محددة وقابلة للتطوير.
على صعيد العودة واستقرار الأشخاص، أفادت بيانات الأمم المتحدة بعودة حوالي 1.8 مليون شخص من دول الجوار، من بينهم نحو 719 ألف من لبنان حتى نهاية آب الماضي، بينما يبقى مئات الآلاف مسجلين لدى المفوضية. وحتى الآن عاد أكثر من 630 ألف لاجئ سوري مسجل منذ بدء موجة العودة في يناير 2025.
غير أن المقابلات مع العمال السوريين في لبنان تكشف أن الدافع الأساسي للبقاء يظل متعلقاً بفرص العمل المتوفرة بكثرة في السوق اللبناني عبر قطاعات متعددة، خلاف ما هو متاح حالياً في الأراضي السورية. هذا الواقع يستدعي تنسيقاً أفضل من وزارة العمل لتسهيل الإقامات والتصاريح، مع تفعيل دور أجهزة الأمن العام على المعابر الشرعية والاستعانة بلجان متخصصة للقضاء على التسرب عبر المنافذ غير الرسمية.
أما فيما يتعلق بتسليم المطلوبين، فيشير القانونيون إلى أن الاتفاقية القضائية الموقعة بين البلدين عام 1951 توفر أساساً قانونياً واضحاً لم يتغير رغم التعديلات اللاحقة. لكن الآلية المعتمدة لا تقتصر على الإجراءات الأمنية، بل تتطلب تصعيداً قضائياً منظماً يبدأ من النائب العام وينتهي بوزير العدل وقد يصل إلى لجنة تسليم مشتركة.
الاتفاقية تشترط أساساً توفر ملف قضائي مكتمل الشروط قبل تقديم طلب التسليم، وليس الاكتفاء بإدراج الاسم في لائحة المطلوبين الأمنية. هذا الإجراء يحمي القضاء والنزاهة في كلا البلدين ويضمن تسليماً قانونياً سليماً، وبالتالي فإن مفتاح تسهيل العملية يكمن في إعداد الملفات القضائية بعناية قبل تقديم الطلبات الرسمية.