“100 مليون دولار، أبو عمر، وطرابلس المنسية: كشف الفساد السياسي اللبناني”

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

“100 مليون دولار، أبو عمر، وطرابلس المنسية: كشف الفساد السياسي اللبناني”

طرابلس تنهار وأبو عمر يضحك: كيف اختفت الأموال والوعود وراء وهم الأمير الوهمي

حين انهار المبنى في القبة، لم يسقط حجر فقط، بل سقط آخر أقنعة الزعامة اللبنانية. مدينة بأكملها دفنتها دولة غائبة، أسقف متآكلة، وسياسات مؤجلة، وغياب سياسي صارخ حد الفضيحة: لا بيان، لا موقف، لا ضغط، ولا حتى كلمة عزاء. هنا يصبح الصمت مشاركة، والمدينة شاهدة على ما تبقى من مصداقية للسلطة.

في عام 2012، أقرت الحكومة اللبنانية مبلغ 100 مليون دولار أمريكي مخصصًا لإنماء طرابلس ومشاريعها، ضمن خطة لتطوير البنية التحتية والخدمات الاجتماعية. ومع ذلك، أثارت السنوات التالية تساؤلات عن كيفية توزيع هذه الأموال وتنفيذ المشاريع الموعودة، وسط تدخلات ضاغطة من بعض الجهات السياسية، ووعود لم تُنفّذ، وانحراف الموارد نحو مشاريع وهمية أو غير شفافة.

وفي هذا السياق، أصبح اسم “أبو عمر”، الأمير الوهمي، رمزًا للسخرية من هذه الممارسات: شخصية استخدمت كواجهة لوهم الدعم الخارجي، بينما بقي المواطن الطرابلسي يواجه واقع المدينة المنهار والفقر المزمن. الأموال المقررة والمشاريع التي وعدت بها طرابلس تحولت إلى فضيحة سياسية كاملة، تكشف كيفية تحويل القرار الوطني إلى لعبة شراء ولاءات وتغيير مواقف.

السخرية هنا ليست مجرد شخصية وهمية، بل مرآة للفساد: من يقبل التمويل قبل التحقق، ومن يغيّر موقفه بناء على وعد هاتفي، ومن يستخدم المدينة كورقة ضغط، لم يكن ضحية، بل شريكًا في الاحتيال السياسي. طرابلس لم تطلب امتيازات، طلبت الحد الأدنى: أن تُحمى، أن تُعامل كمدينة ضمن الدولة، لا كخزان خارجي يُستغل.

الخطورة ليست في سقوط المباني فقط، بل في سقوط نزاهة القرار، وانكشاف مدى سهولة اختطاف السيادة من قبل أموال وهمية ووهم “أبو عمر”. السياسة هنا تتحول إلى جريمة منظمة ناعمة: وسيط وهمي، مال غير شفاف، مشاريع وهمية، قرارات سيادية تُصنع خلف الكواليس، ودولة تتآكل من الداخل.

الصمت عن هذه اللعبة ليس حيادًا، بل مشاركة في الاحتيال السياسي. ومن اعتاد أن يرفع صوته باسم المواطنين، بينما يضحك الأمير الوهمي على قرارات الدولة، لن ينجو من مساءلة الشارع اللبناني والعربي والدولي.

طرابلس لم تطلب سوى كرامتها، والمال الوهمي والمكالمات الخارجة لم تُقدّم شيئًا سوى فضيحة مفتوحة. و”أبو عمر”، الأمير الوهمي، لم يكن سوى المرآة التي كشفت زيف القيادات اللبنانية والسياسة التي تُدار بالأوهام بدل الواقع، والمواطن الذي يُدفن تحت الركام بدل أن يُحمى.

في لبنان اليوم، الدولة ليست فقط في أزمة إنشائية أو اقتصادية، بل في أزمة نزاهة القرار والسيادة الوطنية. من يفرّط بالقرار الوطني لأوهام وأموال وهمية يجب أن يعرف أن الرأي العام يراقب، وأن المحاسبة الشعبية والقضائية قادمة لا محالة. طرابلس اليوم هي أكثر من مدينة منكوبة؛ إنها رمز للفساد السياسي اللبناني، وللأمير الوهمي الذي كشف كل شيء.