الطائف: كيف حوّل السياسيون أهم تسوية دستورية في الشرق الأوسط إلى نصّ يُفصَّل على مقاس السلطة؟
بقلم الباحث والكاتب سياسي عبد الحميد عجم
بعد 36 عاماً على اتفاق الطائف، لا تبدو أزمة لبنان أزمة نصوص بقدر ما تبدو أزمة سلطة على النصوص. فبين دستور كُتب لإنهاء الحرب، وطبقة سياسية أعادت تفسيره وفق مصالحها، وُلدت واحدة من أخطر الأزمات الدستورية في تاريخ الجمهورية اللبنانية.
في عام 1989، لم يكن اتفاق الطائف مجرد تسوية سياسية أنهت حرباً أهلية استمرت خمسة عشر عاماً. كان مشروعاً لإعادة تأسيس الدولة اللبنانية على قواعد جديدة، ومحاولة نادرة في الشرق الأوسط لتحويل التسوية السياسية إلى عقد دستوري طويل الأمد. ولهذا لم يكن الطائف حدثاً لبنانياً فحسب، بل تجربة إقليمية استثنائية تابعتها عواصم عربية ودولية باعتبارها نموذجاً لكيفية إنهاء الحروب عبر المؤسسات لا عبر الغلبة.
لكن بعد أكثر من ثلاثة عقود، يفرض الواقع سؤالاً لا يمكن تجاهله:
إذا كان الطائف قد أوقف الحرب، فلماذا لم ينجح في بناء دولة مستقرة؟
الجواب الصادم أن المشكلة قد لا تكون في الاتفاق نفسه، بل في الطريقة التي استُخدم بها.
فالتاريخ يُظهر أن الدساتير نادراً ما تسقط بسبب نصوصها، بل بسبب القوى التي تحتكر تفسيرها.
وهذا تحديداً ما حدث في لبنان.
على مدى سنوات طويلة، جرى تسويق رواية سياسية مفادها أن اتفاق الطائف أصبح قديماً أو عاجزاً أو مسؤولاً عن أزمات البلاد المتلاحقة.
غير أن مراجعة هادئة للتجربة تكشف حقيقة مختلفة تماماً.
فالطائف لم يُطبَّق يوماً كوحدة دستورية متكاملة.
بعض بنوده نُفذت.
وبعضها أُجّل.
وبعضها جُمّد.
وبعضها الآخر أُعيد تفسيره بما يتناسب مع مصالح القوى السياسية المتعاقبة.
وهكذا لم يعد الاتفاق إطاراً حاكماً للجميع، بل تحول تدريجياً إلى نص انتقائي، تُستحضر مواده أو تُهمَّش وفق الحاجة السياسية.
وهنا يكمن جوهر الأزمة.
فالدساتير تفقد هيبتها عندما تصبح خاضعة للتفسير الانتقائي أكثر مما هي خاضعة للنص نفسه.
من يفسّر الدستور؟ السؤال الذي هرب منه لبنان 36 عاماً
في معظم الديمقراطيات الحديثة، توجد جهة دستورية عليا تحسم النزاعات المتعلقة بمعنى النصوص الدستورية.
السبب بسيط.
لأن الدولة لا تستطيع الاستمرار إذا كانت كل سلطة تفسّر الدستور وفق مصلحتها الخاصة.
غير أن لبنان عاش طوال العقود الماضية في منطقة رمادية شديدة الخطورة.
فبعد اتفاق الطائف، اختفت بصورة غير محسومة مسألة المرجعية النهائية لتفسير الدستور.
ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الغموض إلى عرف سياسي غير مكتوب.
ثم تحول العرف إلى ممارسة.
ثم تحولت الممارسة إلى ما يشبه الحقيقة السياسية.
رغم أن الحقيقة الدستورية بقيت موضع جدل.
والنتيجة أن البلاد انتقلت تدريجياً من حكم النصوص إلى حكم التأويلات.
ومن مرجعية القانون إلى مرجعية موازين القوى.
كيف يُختطف الدستور من دون أن يُعدّل؟
الانقلابات الدستورية ليست دائماً دبابات في الشوارع.
أحياناً تحدث بهدوء.
وأحياناً تحدث تحت سقف الشرعية نفسها.
يبدأ الأمر عندما تصبح قراءة النص أهم من النص.
ثم عندما تتحول السلطة التي يفترض أن تخضع للدستور إلى سلطة تحدد بنفسها معنى الدستور.
ثم عندما يصبح الخلاف السياسي قادراً على إنتاج تفسير دستوري جديد في كل أزمة.
عند هذه النقطة، لا يُلغى الدستور رسمياً.
لكنه يفقد وظيفته الأصلية.
وهذا ما يجعل التجربة اللبنانية واحدة من أكثر التجارب الدستورية تعقيداً في المنطقة.
فالأزمة لم تكن غياب النص.
بل غياب المرجعية التي تحمي النص من النفوذ السياسي.
أكبر انتصار للطبقة السياسية
قد يبدو هذا الاستنتاج قاسياً.
لكنه يستحق التفكير.
ربما لم يكن أكبر إنجاز حققته الطبقة السياسية اللبنانية خلال العقود الماضية هو البقاء في السلطة.
بل نجاحها في إبقاء قواعد اللعبة نفسها قابلة للتأويل.
ففي الأنظمة المستقرة، تحدّ المؤسسات من نفوذ السياسيين.
أما في الأنظمة الهشة، فيصبح غموض المؤسسات مصدراً لنفوذ السياسيين.
ولهذا لم يكن الغموض الدستوري مشكلة بالنسبة إلى كثير من القوى السياسية.
بل كان أحد عناصر القوة داخل النظام.
لأن النص الواضح يحدّ من الحركة.
أما النص القابل للتأويل فيوسّع هامش المناورة.
ما الذي يخسره اللبنانيون فعلاً؟
الاعتقاد السائد أن الخلاف حول تفسير الدستور مسألة قانونية تخص الخبراء والقضاة والسياسيين.
لكن الحقيقة مختلفة.
عندما لا توجد مرجعية دستورية واضحة، تصبح كل أزمة وطنية قابلة للتفاقم.
ويصبح كل استحقاق دستوري مشروع نزاع جديد.
وتتحول الدولة من مؤسسة تحكمها قواعد مستقرة إلى ساحة تفاوض دائم.
وهنا لا تكون الخسارة قانونية فقط.
بل اقتصادية وسياسية واجتماعية.
لأن المستثمر يحتاج إلى وضوح.
والمواطن يحتاج إلى استقرار.
والدولة تحتاج إلى يقين دستوري.
وعندما تغيب هذه العناصر، تتآكل الثقة بالجمهورية نفسها.
قد يظن البعض أن النقاش يتعلق بتفصيل لبناني داخلي.
لكن القضية أوسع من ذلك بكثير.
فلبنان يمثل واحدة من أقدم التجارب الدستورية التوافقية في المنطقة.
وما يحدث فيه يطرح سؤالاً مصيرياً على العالم العربي بأسره:
هل تستطيع الدول المتعددة الانتماءات والهويات أن تُدار عبر المؤسسات والقواعد الدستورية؟
أم أن السياسة ستبقى أقوى من النصوص مهما كانت متقدمة؟
إن هذا السؤال لا يتعلق بمستقبل لبنان فقط.
بل بمستقبل الدولة الدستورية في الشرق الأوسط كله.
اليوم، ومع عودة النقاش حول منح المجلس الدستوري صلاحية واضحة وحصرية لتفسير الدستور، يبدو لبنان أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود تعديل مادة أو إضافة فقرة.
إنه اختبار يتعلق بفلسفة الحكم نفسها.
هل تكون الكلمة الأخيرة للقانون؟
أم تبقى الكلمة الأخيرة لموازين القوى؟
هل يصبح الدستور مرجعاً فوق الجميع؟
أم يبقى ساحة يتنافس الجميع على تفسيرها؟
هذا هو جوهر المسألة.
وهذا هو السؤال الذي تجنبت الجمهورية الإجابة عنه طويلاً.
بعد ستة وثلاثين عاماً على اتفاق الطائف، لم يعد السؤال الحقيقي: هل نحتاج إلى اتفاق جديد؟
السؤال الحقيقي هو: هل امتلك لبنان يوماً الشجاعة الكافية لتطبيق الاتفاق الذي يملكه بالفعل؟
فالأمم لا تسقط عندما تختلف على السياسات.
ولا تنهار عندما تتنافس الأحزاب على السلطة.
إنها تبدأ بالتآكل عندما يصبح الخلاف على معنى القواعد التي تنظّم السلطة نفسها.
لقد أوقف الطائف الحرب.
لكن بناء الدولة كان يتطلب شيئاً آخر: احترام النص قبل تفسيره، والمؤسسات قبل المصالح، والدستور قبل السلطة.
وربما تكمن المأساة اللبنانية في أن أخطر ما تعرض له الطائف لم يكن محاولات إسقاطه، بل نجاح القوى السياسية في تحويله من عقد وطني يُفترض أن يحكم السلطة، إلى نصّ يُعاد تفصيله كلما تغيّرت موازينها.