ما وراء التصعيد.. ماذا تريد واشنطن وما الذي تخشاه طهران؟
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
من يقرأ المشهد من زاوية الضربات العسكرية وحدها، يفوته إدراك الحقيقة الأهم: ما يجري بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع على إعادة صياغة ميزان القوى في الشرق الأوسط، حيث أصبحت القوة العسكرية وسيلة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية أوسع.
التصعيد الأمريكي الأخير، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية أو استهداف مواقع ترتبط بالملاحة والطاقة، يوحي بأن واشنطن تسعى إلى تقليص قدرة إيران على استخدام موقعها الجغرافي وأدواتها العسكرية للتأثير في أمن الخليج والتجارة الدولية. وإذا استمر هذا النهج، فقد يفضي إلى معادلة ردع جديدة تُقيد هامش الحركة الإيراني أكثر مما تستهدف مجرد تدمير أهداف عسكرية.
في المقابل، تكشف الرسائل الإيرانية الموجهة إلى دول الجوار عن محاولة لإعادة توزيع كلفة الصراع. فبدلاً من إبقاء المواجهة محصورة مع الولايات المتحدة، تسعى طهران إلى إيصال رسالة مفادها أن أي دعم عسكري مباشر أو غير مباشر قد يجعل الأطراف المشاركة عرضة لتداعيات المواجهة. وبهذا المعنى، لا يقتصر الردع الإيراني على الساحة العسكرية، بل يمتد إلى الحسابات السياسية والأمنية للدول المحيطة.
ومن هنا، تبدو الضربات والبيانات السياسية جزءاً من معركة أوسع تتداخل فيها القوة العسكرية مع الحرب النفسية والرسائل الدبلوماسية. فالولايات المتحدة تحاول إظهار أن لديها القدرة والإرادة لفرض خطوط حمراء جديدة، فيما تحاول إيران الحفاظ على صورة الدولة القادرة على فرض كلفة على أي خصم، بما يمنع تحويل الضغوط العسكرية إلى واقع سياسي دائم.
وفي الوقت نفسه، لا يعني تبادل التهديدات أن الحرب الشاملة أصبحت حتمية. بل تشير مواقف الطرفين إلى أن التصعيد يسير بالتوازي مع الإبقاء على هامش للمساومة السياسية. وهذا يعكس نمطاً معروفاً في إدارة الأزمات الكبرى: استخدام الضغط العسكري لتعزيز الموقع التفاوضي، وليس بالضرورة لاستبدال التفاوض بالحرب.
والسؤال الذي سيحدد مسار المرحلة المقبلة ليس من يمتلك ترسانة أكبر، بل من يستطيع فرض قواعد اشتباك جديدة يقبل بها الخصوم والحلفاء معاً. فإذا نجحت واشنطن في ترسيخ معادلة تحدّ من قدرة إيران على التأثير في أمن الملاحة والطاقة، فإنها ستكون قد حققت هدفاً استراتيجياً يتجاوز نتائج أي ضربة عسكرية. أما إذا تمكنت إيران من الحفاظ على أدوات ردعها ونفوذها الإقليمي رغم الضغوط، فستثبت أن ميزان القوة في المنطقة لا يزال أكثر تعقيداً من أن يُحسم بالقوة العسكرية وحدها.
إن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة قد لا تُغيّر الخرائط السياسية، لكنها قد تعيد رسم قواعد النفوذ التي ستحكم الإقليم لسنوات. ولهذا، فإن أهمية ما يجري اليوم لا تكمن فقط في حجم العمليات العسكرية، بل في السؤال الذي ستجيب عنه المرحلة المقبلة: من سيكتب قواعد الأمن الإقليمي الجديدة، ومن سيكون مضطراً للتكيف معها؟