الصفقة الأخطر: كيف يُراد للبنان أن يعيش بلا انتخابات ولا شرعية؟"
بقلم رئيسة التحرير ليندا المصري
في الوقت الذي يعلو فيه الضجيج حول احتمال تأجيل الانتخابات النيابية المقبلة، يخيَّل للبنانيين أن قدرهم بات رهينة “التوقيت السياسي” الذي يحدّده الخارج، لا صوت الشعب ولا نبض الدستور.
لكن خلف الكواليس، هناك مساعٍ حثيثة لتسويق تأجيل تحت عناوين “التهدئة” و“الظروف الأمنية” و“الاستقرار”.
غير أن الحقيقة أبسط وأخطر: إنّ أي تأجيل للاستحقاق الدستوري سيكون بمثابة انقلاب ناعم على ما تبقّى من فكرة الدولة.
لبنان لا يحتمل صفقة جديدة، ولا تحالفات ظرفية بين الداخل والخارج لتأجيل المواجهة مع الحقيقة.
البلد يحتاج إلى صندوق اقتراع، لا إلى صفقة اقتسام.
الانتخابات ليست حدثًا تقنيًا، بل امتحان وجودي للدولة التي فقدت معظم مؤسساتها تحت ركام الأزمات والانهيارات.
كل تأجيل يعني تمديدًا للشلل، ومزيدًا من الفقر، وموتًا بطيئًا لآخر رموز الشرعية الشعبية.
المعركة الانتخابية المقبلة ليست صراعًا على المقاعد، بل على وجه لبنان نفسه:
هل يبقى وطنًا قائمًا على الإرادة الحرة والمحاسبة؟ أم يتحول إلى مساحة نفوذ تتقاسمها القوى المتناحرة بغطاءٍ خارجيٍّ جديد؟
كل من يراهن على الوقت، يراهن على الخراب.
اللبنانيون لم يعودوا يحتملون دورة جديدة من الانتظار والفراغ.
يا فخامة الرئيس، إنّ أعظم ما يمكن أن يُكتب في التاريخ السياسي ليس خطاب القسم، بل القرار الذي يحمي الدستور حين يحاول البعض تجاوزه باسم “التوافق”.
أن ترفض تأجيل الانتخابات اليوم يعني أن تحمي آخر ما تبقّى من شرعية النظام، وأن تضع لبنان على مسارٍ جديد من الثقة الوطنية.
أما القبول بتأجيلٍ مغلّفٍ بالذرائع، فهو توقيع على شهادة دفن العهد والدولة معًا.
في لحظات الانهيار الكبرى، لا يَسقط البلد بفعل الأزمة الاقتصادية وحدها، بل حين يُكسر مبدأ تداول السلطة، ويُختطف القرار الوطني بذريعة “التسوية”.
من هنا، المسؤولية التاريخية تقتضي موقفًا واضحًا:
> لا انتخابات مؤجّلة... لا شرعية مؤقّتة... لا وطن بلا إرادة شعبه.
إلى العواصم التي تراقب من بعيد، وإلى القوى التي تحاول إعادة ترتيب الأوراق اللبنانية على مقاسها:
لبنان ليس ورقة في مكاتب الدبلوماسيين.
لبنان فكرة ولدت من الحرية، ولا تُحكم إلّا بالحرية.
فإذا سُمح بتأجيل الاستحقاق اليوم، فلن يبقى غدًا ما يمكن إنقاذه، لا في السياسة ولا في السيادة.
الوقت الآن ليس للنقاشات ولا للمقايضات، بل للجرأة في اتخاذ القرار الصعب: إجراء الانتخابات في موعدها مهما كانت العواصف.
ففي صناديق الاقتراع وحدها، يمكن للبنانيين أن يستعيدوا وطنهم، لا في طاولات المقايضة.
من يؤجّل الانتخابات، يؤجّل لبنان نفسه.
ومن يحميها، يحمي المستقبل.