وأصلحوا بين أخويكم»… سياسة لا شعار

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

وأصلحوا بين أخويكم»… سياسة لا شعار

﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾

هذه الآية ليست خطابًا وعظيًا يُتلى في المناسبات، بل قاعدة حكم وإدارة صراع في أخطر لحظات الانقسام. وهي اليوم، أكثر من أي وقت مضى، عنوانٌ ضروريّ لقراءة ما يجري في الإقليم، ولا سيما في طريقة تعاطي بعض الإعلام العربي مع الخلاف السعودي–الإماراتي في اليمن.

حين تتحوّل الكلمة إلى سلاح

في زمن تتكاثر فيه الأزمات

 وتتشابك الجبهات، يقف الإعلام العربي أمام مسؤولية تاريخية:

إما أن يكون جسر تهدئة وإصلاح، أو أن ينزلق – عن قصد أو تهوّر – إلى تأجيج الخلافات وتحويلها إلى صراع مفتوح في الوعي العام.

ما يُلاحظ في تغطية بعض المنابر العربية للخلاف السعودي–الإماراتي هو انتقالٌ مقلق من التحليل المشروع إلى تضخيم الخلاف واستثماره، عبر عناوين حادّة، واصطفافات إعلامية، واستنساخٍ غير نقدي لسرديات خارجية. هنا لا يعود الإعلام ناقلًا للواقع فحسب، بل شريكًا في إعادة تشكيله.

الخلاف بين الأشقاء: يُدار ولا يُستثمر

الخلافات السياسية بين الدول، حتى الأقرب تحالفًا، أمرٌ طبيعي في

 العلاقات الدولية. لكن الفارق الجوهري يكمن في كيفية إدارتها. فحين يُنزَع الخلاف من سياقه السياسي، ويُقدَّم بوصفه صراعًا وجوديًا، تتحول المعالجة الإعلامية إلى وقودٍ يسكب على نارٍ إقليمية قابلة للاشتعال.

السعودية والإمارات دولتان محوريتان في أمن الخليج والعالم العربي. وأي خلاف بينهما، مهما بلغ، يبقى خلافًا داخل البيت الواحد، لا مادةً للتشهير أو للتجييش. تحويل هذا الخلاف إلى معركة رأي عام مفتوحة يضرّ بالجميع، ويقوّض فرص الاحتواء والحوار.

من المستفيد؟ سؤال لا يجوز تجاهله

إيران، التي تراقب أي تصدّع في الجبهة الخليجية لتوسيع هامش نفوذها.

إسرائيل، التي ترى في انقسام العرب فرصة استراتيجية طويلة الأمد.

أما اليمن، الدولة المنهكة أصلًا، فيدفع الثمن مضاعفًا حين يتحوّل إلى ساحة تتقاطع فيها الخلافات الإقليمية بدل أن يكون أولوية للإنقاذ والاستقرار.

اليمن… الضحية لا الذريعة

اليمن لا يحتمل مزيدًا من الاستقطاب. ما يحتاجه اليوم هو:

تثبيت ما تبقّى من مؤسسات شرعية،

منع تفكك الدولة،

وتحويل الخلافات الإقليمية إلى مسار حوار لا صدام.

أي تصعيد إعلامي بين داعمي الشرعية، مهما كانت دوافعه، يفضي عمليًا إلى:

الإعلام العربي: سلطة رأي أم مسؤولية أمة؟

الإعلام العربي ليس منصة محايدة في معارك الوعي. إنه فاعل مؤثّر، وحين يختار الانحياز للتهويل بدل التهدئة، فإنه يتحمّل تبعات سياسية وأخلاقية لا يمكن التنصّل منها.

المفارقة أن بعض الصحف الغربية، رغم اختلاف أجنداتها، حذّرت من كلفة تفكك المعسكر المناهض لإيران، بينما انشغل بعض الإعلام العربي برفع منسوب التوتر، وكأن الخلاف فرصة للسبق لا خطرًا على الأمن الجماعي.

من الآية إلى السياسة

وَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ ليست شعارًا يُرفع، بل منهج عمل:

إصلاح قبل الاصطفاف،

حوار قبل التحريض،

ومصلحة عامة قبل حسابات اللحظة.

في السياسة كما في القيم، الإصلاح ليس ضعفًا، بل قوة عاقلة تمنع الخصوم من حصد انتصارات مجانية.

لإصلاح خيار العقلاء

ما يجري بين الرياض وأبوظبي خلافٌ قابل للإدارة، لا قدرٌ محتوم للصدام.

والإعلام العربي، إن أراد أن يكون في صفّ التاريخ لا في هامشه، مطالبٌ بأن ينتصر لمنطق الإصلاح، لا لإغراء التصعيد.

فالكلمة، حين تُحسن توجيهها، قد تحمي ما لا تحميه الجيوش.

وحين تُساء، قد تهدم ما لا تهدمه المدافع.

هنا، يصبح الإصلاح سياسة… لا شعارًا.