الحياد مات في الشرق الأوسط… ومن لا يختار موقعه سيُفرض عليه بالقوة
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
لنكن واضحين: الحديث عن “الحياد” في الشرق الأوسط اليوم لم يعد مجرد سذاجة سياسية… بل أصبح خطرًا استراتيجيًا.
كل من لا يزال يروّج لفكرة الوقوف في المنتصف، يتجاهل حقيقة أن المنطقة لم تعد تعرف هذا المنتصف أصلًا. لقد انهارت المسافة التي كان يمكن الاحتماء بها، وتحولت إلى ساحة مكتظة بالصواريخ، بالمسيّرات، وبشبكات نفوذ لا تعترف بالحدود ولا بالمواقف الرمادية.
الهجمات على دول الخليج لم تكن حادثًا عابرًا، ولا رسالة محدودة يمكن احتواؤها دبلوماسيًا. ما حدث هو إعلان صريح بأن قواعد اللعبة تغيّرت: لم يعد ممكنًا البقاء خارج الصراع، لأن الصراع نفسه أصبح عابرًا لكل الجغرافيا.
في هذا السياق، لا يمكن فهم ما يجري كتوتر سياسي تقليدي. نحن أمام صراع على شكل الشرق الأوسط نفسه. إيران لا تتحرك فقط كدولة، بل كمشروع نفوذ ممتد، يستخدم كل الأدوات: من العقيدة إلى السلاح، ومن السياسة إلى الشبكات غير المباشرة. في المقابل، ترى دول الخليج أن ما يجري ليس مجرد خلاف، بل تهديد مباشر لتوازن المنطقة واستقرارها.
هنا تحديدًا يسقط مفهوم الحياد. لأن الحياد يفترض وجود مسافة، وهذه المسافة لم تعد موجودة. بل أكثر من ذلك، أصبحت أي محاولة للتموضع في “المنطقة الرمادية” تُفسَّر كضعف أو كرهان خاطئ. وفي بيئة كهذه، الضعف لا يُحترم… بل يُستغل.
الأخطر أن بعض القوى لا تزال تتصرف وكأن بإمكانها شراء الوقت عبر الصمت أو التردد. لكن الواقع يقول العكس تمامًا:
في الشرق الأوسط اليوم، الوقت لا يُشترى… بل يُستغل ضدك.
التأخر في اتخاذ موقف لم يعد حيادًا، بل أصبح مخاطرة. لأن من لا يحدد موقعه بنفسه، سيجد نفسه داخل معادلة لم يخترها، وربما في لحظة لم يستعد لها.
أما الحديث عن التهدئة أو احتواء التصعيد، فيبدو منفصلًا عن الواقع. فالأدوات المستخدمة اليوم من المسيّرات إلى الضربات غير المباشرة لا تهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية، بل إلى إعادة تعريف الردع نفسه. وهذا يعني أن الصراع لن يتوقف عند حدوده الحالية، بل قد يتمدد بطرق غير متوقعة.
وهنا تظهر الحقيقة الأكثر إزعاجًا:
الشرق الأوسط لم يعد ساحة يمكن إدارتها… بل أصبح ساحة تنفلت من السيطرة.
في هذا المشهد، الحياد ليس فقط مستحيلًا، بل قد يكون أخطر من الانحياز. لأنه يضع صاحبه في موقع مكشوف، بلا حماية حقيقية، وبلا شبكة تحالفات واضحة، في وقت تُعاد فيه كتابة قواعد القوة بشكل يومي.
السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن ليس من باب التحليل، بل من باب التحذير:
من يستطيع فعليًا أن يبقى خارج هذا الصراع… عندما يصبح الصراع في كل مكان؟
الجواب، بكل واقعية، صادم:
لا أحد.
لأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة لا تعترف بالتوازنات القديمة، ولا بالخطوط الحمراء التقليدية. مرحلة تُفرض فيها الخيارات، ولا تُمنح.
وفي هذه المرحلة، لا يعود الحياد موقفًا…
بل يتحول إلى وهمٍ مكلف،
قد يدفع ثمنه من يعتقد أنه لا يزال خارج اللعبة.