فاتورة النفوذ: لماذا يجب أن تدفع إيران ثمن ما خسره لبنان؟

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

فاتورة النفوذ: لماذا يجب أن تدفع إيران ثمن ما خسره لبنان؟

في العلاقات الدولية، لا يُقاس النفوذ بعدد الحلفاء ولا بحجم الخطابات ولا باتساع الخرائط السياسية. النفوذ الحقيقي يُقاس بسؤال واحد: ماذا ترك خلفه؟

هذا هو السؤال الذي يواجه إيران اليوم في لبنان.

فعلى مدى عقود، قُدم النفوذ الإيراني في لبنان باعتباره قصة نجاح استراتيجية. تحدثت طهران عن محور مقاومة، وتحدث حلفاؤها عن انتصارات وتوازنات ردع وتغيرات تاريخية في المنطقة. لكن بعد كل هذه السنوات، يحق للبنانيين أن يطرحوا السؤال الذي تأخر كثيراً:

ماذا كانت النتيجة النهائية على لبنان نفسه؟

فالدول لا تُحاسب على النوايا، بل على الحصيلة.

وعندما ننظر إلى الحصيلة اللبنانية، تظهر صورة مختلفة تماماً عن لغة الانتصارات التي ملأت الشاشات والمنابر.

فالحرب الأخيرة وحدها خلفت أكثر من 8 مليارات دولار من الأضرار المادية المباشرة، فيما تجاوزت الخسائر الاقتصادية الإجمالية 14 مليار دولار. أكثر من 1.2 مليون إنسان نزحوا من منازلهم. قطاع السكن تكبد خسائر تجاوزت 4.6 مليارات دولار. البنية التحتية تعرضت لأضرار واسعة. الاقتصاد خسر نحو 7 في المئة من ناتجه المحلي الإجمالي. ويؤكد البنك الدولي أن إعادة الإعمار تتطلب ما لا يقل عن 11 مليار دولار كمرحلة أولى فقط.

هذه ليست أرقاماً عابرة.

إنها مؤشرات على حجم الثمن الذي دفعه بلد بأكمله.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى.

إذا كانت إيران تعتبر نفوذها في لبنان إنجازاً استراتيجياً، وإذا كان حزب الله يعتبر تجربته نموذجاً ناجحاً في المنطقة، فمن حق اللبنانيين أن يسألوا: كيف يمكن لمشروع يُقدَّم باعتباره انتصاراً أن يترك خلفه دولة تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة بناء ما تهدم؟ وكيف يمكن لأي قوة أن تتحدث عن النجاح بينما يعيش البلد الذي احتضن هذا المشروع إحدى أسوأ الأزمات الاقتصادية والمالية والسيادية في تاريخه الحديث؟

هذه ليست أسئلة أيديولوجية.

إنها أسئلة تتعلق بالمسؤولية.

ففي عالم السياسة، لا يمكن فصل النفوذ عن المحاسبة. ومن يطلب الاعتراف بدوره وتأثيره، عليه أن يقبل أيضاً بمناقشة نتائج هذا الدور وتأثيره.

لقد اعتادت القوى الإقليمية في الشرق الأوسط التنافس على النفوذ، لكنها نادراً ما قبلت التنافس على تحمل المسؤولية. الجميع يريد أن يُنسب إليه النجاح، لكن أحداً لا يريد أن تُنسب إليه الكلفة.

ولبنان كان الضحية الدائمة لهذا المنطق.

فعندما تشتعل الحروب على أرضه، يدفع اللبنانيون الثمن.

وعندما تتصارع المحاور فوق أراضيه، يدفع اللبنانيون الثمن.

وعندما تُعقد التسويات الإقليمية والدولية، يدفع اللبنانيون الثمن.

أما عندما يحين وقت إعادة الإعمار والتعويض والمساءلة، فيُطلب من اللبنانيين أن يدفعوا الثمن مرة أخرى.

هذا الواقع لم يعد أخلاقياً ولا سياسياً ولا مقبولاً.

ولهذا السبب، فإن الوقت قد حان لفتح نقاش دولي جدي حول مفهوم المسؤولية المرتبطة بالنفوذ.

فإذا كانت إيران ترى نفسها لاعباً أساسياً في الساحة اللبنانية، وإذا كانت قياداتها تعتبر لبنان جزءاً من أولوياتها الاستراتيجية، فمن الطبيعي أن يُطرح سؤال مساهمتها في معالجة النتائج الكارثية التي ترتبت على العقود الماضية.

كما أن على الولايات المتحدة والدول الكبرى والمجتمع الدولي أن ينتقلوا من إدارة الأزمة اللبنانية إلى معالجة جذورها ونتائجها. فاستقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق عبر البيانات الدبلوماسية وحدها، بل عبر مشروع حقيقي لإعادة بناء الدولة والاقتصاد والبنية التحتية وتعويض المتضررين.

ومن المشروع أيضاً أن يطالب لبنان ببحث إمكان توجيه جزء من أي تسويات مالية دولية مستقبلية أو موارد مرتبطة بالأصول الإيرانية المجمدة نحو صندوق دولي مخصص لإعادة الإعمار والتعويض، وفق آليات قانونية ودولية واضحة وشفافة. فالعدالة لا تعني فقط وقف الحروب، بل معالجة آثارها أيضاً.

لكن القضية في جوهرها أكبر من الأموال.

إنها قضية سيادة.

فلبنان لا يحتاج فقط إلى إعادة بناء الجسور والطرقات والمباني، بل إلى إعادة بناء فكرة الدولة نفسها. دولة لا تكون ساحة لمشاريع الآخرين، ولا ورقة تفاوض في نزاعاتهم، ولا صندوق بريد لرسائلهم السياسية والعسكرية.

لقد أثبت التاريخ أن النفوذ الذي لا يُنتج استقراراً يتحول إلى عبء. والنفوذ الذي لا يقترن بالمسؤولية يتحول إلى مشكلة. والنفوذ الذي يترك خلفه دولاً أضعف مما كانت عليه يحتاج إلى مراجعة عميقة مهما كانت الشعارات التي رافقته.

بعد كل ما خسره لبنان، لم يعد السؤال من انتصر ومن انهزم.

السؤال الحقيقي هو: من يتحمل المسؤولية؟

ومن سيساعد اللبنانيين على دفع فاتورة لم يكتبوا هم وحدهم بنودها؟

إلى أن يُجاب عن هذا السؤال بوضوح وجرأة، ستبقى قضية لبنان أكبر من أزمة سياسية عابرة، وستبقى فاتورة النفوذ مفتوحة في وجه كل من شارك في صناعة هذا الواقع أو استفاد منه أو صمت عنه.

فالتاريخ لا يحاسب الدول على حجم نفوذها.

بل على الأثر الذي تتركه في حياة الشعوب.