"عملية تعويم مكشوفة: هل بدأ حزب الله معركة إعادة إنتاج نجيب ميقاتي لحماية ما تبقّى من نفوذه؟"

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

"عملية تعويم مكشوفة: هل بدأ حزب الله معركة إعادة إنتاج نجيب ميقاتي لحماية ما تبقّى من نفوذه؟"

في السياسة، لا تُقاس أهمية الخبر بما يقوله، بل بما يحاول أن يصنعه. فهناك فرق كبير بين إعلام ينقل الوقائع، وإعلام يسعى إلى صناعة الوقائع. وعندما تبدأ بعض المنابر السياسية بتقديم شخصية معينة على أنها "رجل المرحلة"، يصبح من حق الرأي العام أن يسأل: هل نقرأ خبراً أم نشاهد بداية حملة سياسية منظمة؟

من هذه الزاوية، لا تبدو محاولات تقديم نجيب ميقاتي بوصفه الشخصية اللبنانية الأكثر قبولاً لدى دمشق مجرد مادة إعلامية عابرة. بل تبدو أقرب إلى عملية تعويم سياسية مدروسة، تُدار في لحظة إقليمية دقيقة تشهد تغيرات عميقة في موازين القوى والتحالفات والمصالح.

المفارقة أن لبنان يقف اليوم أمام مرحلة تتطلب مراجعة شاملة للتجربة التي قادته إلى الانهيار، فيما يبدو أن بعض القوى لا تزال تبحث عن وسائل لإعادة إنتاج المنظومة نفسها التي شاركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إدارة البلاد خلال العقود الماضية.

هنا تحديداً يصبح السؤال مشروعاً: لماذا يعود اسم نجيب ميقاتي إلى الواجهة الآن؟ ولماذا تحرص منابر محسوبة على بيئة حزب الله على إظهاره بصورة رجل التفاهمات والعلاقات والاتصالات القادر على إدارة الملفات الحساسة؟

الجواب لا يتعلق بشخص ميقاتي وحده، بل بمأزق سياسي أعمق يواجهه حزب الله بعد التحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة. فالحزب الذي اعتاد إدارة التوازنات اللبنانية من موقع القوة يجد نفسه أمام واقع مختلف، حيث تتراجع قدرة المحاور الإقليمية على فرض شروطها القديمة، وتتقدم مطالب استعادة الدولة والسيادة والمؤسسات إلى واجهة النقاش الوطني.

في مثل هذه الظروف، يصبح البحث عن شخصيات قادرة على تأمين هوامش حركة جديدة أمراً مفهوماً من الناحية السياسية. لكن ما يثير الانتباه هو أن عملية الترويج لا تركز على مشروع إنقاذي للبنان، ولا على رؤية اقتصادية أو إصلاحية، بل على إعادة تسويق أسماء أصبحت جزءاً من المشهد الذي أوصل البلاد إلى أزماتها الحالية.

لقد دفع اللبنانيون أثماناً باهظة نتيجة ربط الدولة بصراعات المحاور. ودفعوا ثمناً أكبر عندما تحولت مؤسسات الدولة إلى رهينة موازين قوى لا تخضع لمنطق الدولة نفسها. واليوم، وبعد كل ما حدث، يبدو أن هناك من يعتقد أن الحل يكمن في إعادة تدوير الأدوات ذاتها التي فشلت في بناء دولة قادرة أو اقتصاد مستقر أو مؤسسات تحظى بثقة المواطنين.

المشكلة ليست في نجيب ميقاتي كشخص. فالأشخاص يأتون ويذهبون. المشكلة في العقل السياسي الذي لا يزال يعتقد أن اللبنانيين يمكن أن يقبلوا بالوصفة نفسها بعد كل ما جرى. وكأن الانهيار المالي لم يقع، وكأن الدولة لم تتفكك، وكأن مئات آلاف اللبنانيين لم يغادروا وطنهم بحثاً عن فرصة حياة خارج حدود اليأس اللبناني.

ما تكشفه هذه الحملة الإعلامية ليس قوة المشروع الذي تحاول الترويج له، بل حجم القلق الذي يعيشه أصحاب هذا المشروع. فالقوى الواثقة من موقعها لا تحتاج إلى حملات تعويم. أما القوى التي تشعر بأن الأرض تتحرك تحت أقدامها، فهي التي تبحث دائماً عن وجوه جديدة أو قديمة لإعادة ترتيب المشهد وتأجيل لحظة المواجهة مع الحقائق.

الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها هي أن لبنان دخل مرحلة مختلفة. مرحلة يُطرح فيها السؤال الذي جرى تأجيله لعقود: هل تكون الكلمة الأخيرة للدولة أم لمراكز القوى؟ هل يكون القرار في المؤسسات أم خارجها؟ وهل يُبنى المستقبل على أساس السيادة والمحاسبة والإصلاح، أم على أساس إعادة إنتاج المنظومة نفسها بوجوه مختلفة؟

لهذا، فإن ما يجري اليوم لا يتعلق فقط بمحاولة إعادة تعويم نجيب ميقاتي. إنه يعكس معركة أكبر بكثير: معركة بين لبنان الذي يريد الخروج من زمن النفوذ السياسي والسلاح والمحاور، ولبنان الذي يحاول البعض إعادته إلى الحلقة نفسها التي دفع ثمنها شعبه واقتصاده ودولته.

وفي هذه المعركة، قد يكون أخطر ما يمكن أن يحدث ليس عودة شخص إلى الواجهة، بل عودة العقل السياسي نفسه الذي أقنع اللبنانيين مراراً بأن المشكلة في الوجوه، بينما كانت المشكلة الحقيقية دائماً في المنظومة التي تقف خلفها