الحرب انتهت... ومعركة الشرق الأوسط بدأت
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في خضم الضجيج الذي رافق الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، انشغل العالم بالملف النووي والعقوبات والصواريخ ومضيق هرمز. بدت هذه العناوين وكأنها جوهر الصراع، حتى ترسخ الانطباع بأن المواجهة تدور حصراً حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني أو حدود النفوذ الإيراني في المنطقة.
لكن قراءة أعمق لما جرى تكشف حقيقة مختلفة وأكثر أهمية.
فالحرب لم تكن مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، كما أن الاتفاق الذي أعقبها لم يكن مجرد محاولة لخفض التصعيد بين خصمين تاريخيين. ما نشهده في الواقع هو فصل جديد من عملية أكبر بكثير: إعادة تشكيل الشرق الأوسط في ظل تحولات دولية غير مسبوقة.
الحقيقة التي يتجنب كثيرون الحديث عنها هي أن المنطقة أصبحت اليوم نقطة تقاطع بين ثلاثة صراعات متزامنة: صراع على النفوذ السياسي، وصراع على الأمن الإقليمي، وصراع أكثر أهمية على طرق التجارة والطاقة والممرات الاستراتيجية التي تربط الشرق بالغرب.
ومن هنا يصبح الملف النووي جزءاً من الصورة، لا الصورة كلها.
فخلال العقود الماضية، كانت السيطرة على الموارد هي العامل الحاسم في رسم النفوذ. أما اليوم، فإن السيطرة على الممرات التي تنقل هذه الموارد أصبحت أكثر أهمية من الموارد نفسها. ولهذا لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري، بل تحول إلى أحد مفاتيح التوازنات الاقتصادية العالمية.
لكن ما كشفته الحرب الأخيرة هو أن القوى الكبرى لم تعد تفكر فقط في حماية هذه الممرات، بل في تقليل الاعتماد عليها. وهذا ما يفسر السباق المتسارع نحو الموانئ الجديدة والممرات الاقتصادية البديلة وشبكات النقل العابرة للحدود.
في هذا السياق، تبدو المواجهة مع إيران جزءاً من معركة أوسع تتعلق بمستقبل الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة
فالولايات المتحدة لا تسعى فقط إلى احتواء إيران، بل إلى بناء بيئة استراتيجية تقل فيها قدرة أي طرف على استخدام موقعه الجغرافي كورقة ضغط على الاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تدرك إيران أن معركتها الحقيقية ليست فقط مع العقوبات، بل مع محاولات تقليص وزنها الجيوسياسي في معادلات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
أما الدول العربية، فقد وجدت نفسها أمام فرصة تاريخية نادرة. فبدلاً من أن تكون ساحات للصراع، بدأت تتحول تدريجياً إلى مراكز عبور واستثمار وربط اقتصادي، وهو تحول قد يكون أكثر تأثيراً على مستقبل المنطقة من نتائج أي حرب أو اتفاق.
لكن التطور الأهم لا يتعلق بالشرق الأوسط وحده.
فالعالم نفسه يتغير.
لقد انتهى عملياً عصر الهيمنة المنفردة الذي حكم العلاقات الدولية لعقود طويلة. وصعدت قوى جديدة مثل الصين والهند، فيما عززت روسيا حضورها في ملفات دولية حساسة. ونتيجة لذلك، لم يعد ممكناً فهم أي اتفاق أمريكي إيراني بمعزل عن الحسابات الصينية أو الروسية أو الآسيوية الأوسع.
ولهذا فإن مذكرة التفاهم الأخيرة لا تبدو اتفاقاً نهائياً بقدر ما تبدو محاولة لإدارة مرحلة انتقالية معقدة.
إيران تريد تخفيف الضغوط الاقتصادية وتثبيت دورها الإقليمي.
واشنطن تريد منع انفجار جديد في منطقة لا ترغب في استنزاف المزيد من مواردها فيها.
والقوى الإقليمية تريد الاستقرار الذي يسمح لها بالتركيز على الاقتصاد والتنمية بدلاً من الصراعات المفتوحة.
لكن المشكلة أن هذه الأهداف ليست متطابقة بالكامل، وهو ما يجعل الاتفاق هشاً بطبيعته.
ورغم ذلك، فإن التركيز على احتمال نجاح الاتفاق أو فشله قد يحجب السؤال الأهم:
ماذا لو لم يكن الاتفاق هو الحدث الرئيسي أصلاً؟
ماذا لو كانت أهميته الحقيقية تكمن في كونه مؤشراً على ولادة توازنات جديدة لم تكتمل ملامحها بعد؟
التاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تحدث فجأة، بل تتشكل تدريجياً خلف الأحداث اليومية. والحروب غالباً ما تجذب الانتباه، بينما تمر التحولات الأعمق بهدوء.
ولهذا قد يكتشف المؤرخون مستقبلاً أن الحرب الأخيرة لم تكن الحدث الأكثر أهمية في هذه المرحلة.
بل كانت مجرد إشارة إلى بداية صراع أكبر على شكل الشرق الأوسط القادم، وعلى موقعه داخل نظام عالمي يتغير بسرعة.
السؤال الحقيقي اليوم ليس من انتصر ومن خسر.
ولا إن كان الاتفاق سيصمد أم سينهار.
السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة لعقود هو:
من سينجح في حجز موقع مؤثر داخل الخريطة الاقتصادية والاستراتيجية الجديدة التي يجري رسمها الآن؟
ففي النهاية، قد لا تكون المعركة الحقيقية قد انتهت بعد.
وربما لم تبدأ بالكامل أصلاً.