"ترمب ينعش الاقتصاد الإيراني ويضغط على الخليج: من الرابح الحقيقي ومن الخاسر الأكبر؟"
بقلم الرئيسة التحرير ليندا المصري
في عالم السياسة الدولية، ليست كل الحروب عسكرية، وليست كل العقوبات تستهدف من يُعلن اسمه في البيانات الرسمية. أحياناً تكون المعركة الحقيقية في مكان آخر تماماً؛ في الأسواق، وفي أسعار الطاقة، وفي المليارات التي تنتقل من خزائن دولة إلى أخرى بصمت. ومن هنا يبرز السؤال الذي بدأ يفرض نفسه على طاولات القرار والطاقة حول العالم: هل يمكن أن تكون عودة النفط الإيراني إلى الأسواق العالمية جزءاً من معادلة تجعل دول الخليج الخاسر الاقتصادي الأكبر، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً في المواجهة؟
قد يبدو السؤال صادماً، لكنه يستحق التوقف عنده، لأن النفط لا يعترف بالتحالفات السياسية ولا بالخطابات الدبلوماسية. ففي السياسة تستطيع واشنطن أن تكون حليفاً استراتيجياً لدول الخليج وخصماً لإيران في الوقت ذاته، أما في سوق النفط فلا وجود للحلفاء أو الخصوم، بل توجد معادلة واحدة فقط: كل برميل إضافي يدخل السوق يضغط على الأسعار، وكل انخفاض في الأسعار يعني تراجعاً مباشراً في إيرادات الدول التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
هنا تكمن المفارقة الكبرى. فإذا عادت الصادرات الإيرانية بقوة إلى الأسواق، وتمكنت طهران من رفع إنتاجها وصادراتها إلى مستويات أعلى، فإن النتيجة الطبيعية ستكون زيادة المعروض العالمي. ومع أي زيادة كبيرة في المعروض، خصوصاً إذا تزامنت مع زيادات إنتاجية من دول أخرى أو مع تباطؤ في الاقتصاد العالمي، تبدأ الأسعار بالتراجع تدريجياً. وعندما ينخفض سعر البرميل، فإن الخسارة لا تُقاس بعدد البراميل المباعة، بل بحجم الإيرادات التي تتبخر من الموازنات الوطنية للدول المنتجة.
ما لا يُقال بصوت مرتفع هو أن أسعار الطاقة بالنسبة للولايات المتحدة ليست مجرد ملف اقتصادي، بل قضية سياسية وانتخابية أيضاً. فكل ارتفاع في أسعار الوقود ينعكس مباشرة على حياة المواطن الأميركي، وكل انخفاض يمنح أي إدارة سياسية مساحة أكبر للتحرك اقتصادياً وشعبياً. ولهذا السبب، تنظر واشنطن إلى أسواق النفط من زاوية أوسع من مجرد العلاقة مع هذا المنتج أو ذاك. ما يهم في نهاية المطاف هو استقرار الإمدادات ومنع الأسعار من الارتفاع إلى مستويات تؤذي الاقتصاد الأميركي أو تزيد الضغوط التضخمية.
ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً من مجرد الحديث عن إيران: هل الهدف الحقيقي هو السماح لطهران بتحقيق مكاسب اقتصادية، أم أن الأولوية تكمن في ضخ مزيد من النفط إلى السوق العالمية من أجل إبقاء الأسعار تحت السيطرة؟ الفرق بين السؤالين كبير، لأن النتيجة في الحالتين قد تكون واحدة بالنسبة للمنتجين الآخرين.
وفي قلب هذه المعادلة تقف الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، باعتبارها ساحة المنافسة الحقيقية. فالقضية ليست من يضخ النفط أكثر، بل من ينجح في بيع نفطه والحفاظ على حصته السوقية. وكل برميل إيراني يعود إلى السوق الآسيوية يعني منافساً إضافياً أمام المنتجين الخليجيين في أهم سوق تعتمد عليها صادراتهم. وإذا عاد النفط الإيراني بخصومات أو بشروط تجارية أكثر جاذبية، فإن المنافسة لن تكون على الإنتاج فقط، بل على العملاء والعقود طويلة الأجل والنفوذ الاقتصادي في آسيا.
المفارقة الأكثر إثارة تكمن في احتمال تشكل واقع جديد تستفيد منه أطراف مختلفة في الوقت نفسه. فالولايات المتحدة قد تستفيد من أسعار طاقة أكثر انخفاضاً تساعدها على احتواء التضخم ودعم النمو الاقتصادي. وإيران قد تستفيد من زيادة صادراتها واستعادة جزء من عائداتها النفطية. أما دول الخليج فقد تجد نفسها أمام بيئة نفطية أكثر صعوبة إذا استمر الضغط على الأسعار لفترات طويلة، خصوصاً في ظل مشاريع تنموية واستثمارية ضخمة تحتاج إلى تدفقات مالية مستقرة.
ومع ذلك، فإن تصوير المشهد وكأنه خسارة حتمية للخليج سيكون تبسيطاً مفرطاً. فدول الخليج اليوم تمتلك أدوات قوة لم تكن متاحة قبل عقود، من صناديق سيادية عملاقة إلى استثمارات عالمية وشبكات نفوذ اقتصادية واسعة، فضلاً عن دورها المحوري داخل تحالف "أوبك بلس". لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن النفط لا يزال المصدر الأكثر تأثيراً في الإيرادات الحكومية، وأن أي تراجع مستمر في الأسعار يفرض تحديات مالية واقتصادية لا يمكن التقليل من شأنها.
في النهاية، قد لا تكون القصة الحقيقية هي إيران، ولا ترمب، ولا حتى العقوبات نفسها. القصة الأهم هي أن العالم ربما ينتقل من مرحلة الخوف من نقص النفط إلى مرحلة القلق من فائض النفط. وعندما يحدث ذلك، يتغير ميزان القوة بالكامل. عندها لا يكون السؤال من يملك أكبر احتياطي أو من يضخ أكبر كمية، بل من يستطيع الصمود أكثر عندما تنخفض الأسعار وتشتد المنافسة. لذلك يبقى السؤال مفتوحاً: هل تدفع العواصم الخليجية بالفعل ثمن معركة لا تخوضها، أم أن ما نشهده ليس سوى فصل جديد من إعادة تشكيل موازين القوة في سوق الطاقة العالمية؟ هذا هو السؤال الذي قد تحدد إجابته شكل الاقتصاد النفطي في السنوات المقبلة.