الخليج يدفع ثمن أربعين عاماً من الأوهام
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة، لا تحدث التحولات الكبرى بين ليلة وضحاها. الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، والنفوذ لا يولد في يوم واحد، وموازين القوى لا تتغير بقرار أو حرب أو اتفاق. إنها تتشكل ببطء، عبر سنوات طويلة من القرارات والفرص الضائعة وسوء قراءة التحولات القادمة.
الخطأ الأكبر لم يكن في قوة إيران، بل في الاعتقاد المستمر أن هذه القوة ستتراجع تلقائياً بفعل العقوبات أو الضغوط أو الزمن. وبينما انشغل كثيرون بإدارة الأزمات اليومية، كانت طهران تعمل وفق رؤية طويلة المدى تقوم على توسيع نفوذها تدريجياً وتحويله من أمر واقع مؤقت إلى جزء ثابت من المعادلات الإقليمية. ومع مرور الوقت، لم يعد النقاش يدور حول كيفية منع تمدد النفوذ الإيراني، بل حول كيفية التعايش معه وإدارته.
اليوم، لا يكمن الخطر الحقيقي في امتلاك إيران للصواريخ أو في برنامجها النووي فقط، بل في محاولتها الانتقال من دولة تؤثر في الأحداث إلى دولة تؤثر في حركة الاقتصاد العالمي نفسه. فالصراع حول مضيق هرمز لا يتعلق بالرسوم المالية أو الإجراءات البحرية بقدر ما يتعلق بمن يمتلك حق التأثير في شريان تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية. عندما يصبح لدولة واحدة القدرة على التأثير في هذا الممر الحيوي، فإن المسألة تتجاوز حدود الجغرافيا لتصبح قضية توازنات دولية ومصالح اقتصادية عالمية.
ما يكشفه الجدل الدائر حول هرمز هو أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها هي معيار النفوذ. النفوذ الحقيقي اليوم يُقاس بالقدرة على التأثير في الممرات البحرية، وسلاسل الإمداد، وحركة التجارة والطاقة. وهذا ما فهمته القوى الكبرى منذ سنوات، بينما لا يزال كثيرون ينظرون إلى الصراع بعين الأمس لا بعين الغد.
الأكثر خطورة أن دول المنطقة اعتادت طويلاً انتظار الحلول القادمة من الخارج. في كل أزمة كان الرهان على أن تتدخل قوة دولية لتصحيح الخلل أو إعادة التوازن. لكن التجارب أثبتت أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها لا وفق مخاوف الآخرين. وعندما تتغير الأولويات الدولية، تجد الدول التي بنت أمنها على ضمانات خارجية نفسها أمام واقع مختلف تماماً.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نمنع إيران من فرض نفوذها؟ بل: كيف سمحنا طوال عقود بأن تصل المنطقة إلى مرحلة يصبح فيها هذا النفوذ جزءاً من النقاش السياسي اليومي؟ فالمشكلة ليست في طموحات الدول، فكل دولة تسعى إلى تعظيم نفوذها، بل في غياب مشروع إقليمي قادر على حماية المصالح العربية وصناعة توازن مستدام يحول دون تحول الطموحات إلى حقائق مفروضة.
المملكة العربية السعودية ودول الخليج تملك اليوم من القوة الاقتصادية والمالية والسياسية ما لم تملكه في أي مرحلة سابقة من تاريخها الحديث. لكنها تواجه اختباراً مختلفاً: هل ستستخدم هذه القوة لصناعة توازن جديد يحمي المنطقة لعقود قادمة، أم ستبقى تدير نتائج أخطاء تراكمت عبر عقود ماضية؟ هذا هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل الخليج في النصف الأول من القرن الحادي والعشرين.
الحديث عن إيران في جوهره ليس حديثاً عن دولة بعينها، بل عن درس استراتيجي قاسٍ. فالتاريخ لا يعاقب الدول بسبب أخطاء خصومها، بل بسبب أخطائها هي في قراءة الواقع والتعامل معه. وما يحدث اليوم في الخليج هو تذكير بأن التهديدات الكبرى لا تنشأ فجأة، بل تنمو تدريجياً عندما يُساء تقديرها أو يُعتقد أن الزمن كفيل بحلها.
لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست مع إيران وحدها، وليست في مضيق هرمز وحده، وليست في اتفاق أو خلاف عابر. المعركة الحقيقية هي بين عقلية تكتفي بإدارة الأزمات وعقلية تصنع التوازنات. وبين من ينتظر المستقبل ليأتي إليه، ومن يقرر أن يصنعه بنفسه. وفي هذا الفارق الصغير بين الانتظار والمبادرة، تتحدد مصائر الأمم ومكانتها في التاريخ.