بيروت بعد واشنطن... عندما انتقلت المعركة من الشارع إلى القرار

بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم

بيروت بعد واشنطن... عندما انتقلت المعركة من الشارع إلى القرار

في السياسة، لا تُقاس الهزائم بعدد المواقع التي يخسرها اللاعب، بل بعدد القرارات التي لم يعد قادراً على اتخاذها. أما الانتصارات، فلا تبدأ عندما تتقدم الجيوش، بل عندما تتبدل قواعد اللعبة من دون إطلاق رصاصة واحدة.

من هذه الزاوية، لا ينبغي قراءة المشهد الذي أعقب إعلان اتفاق المبادئ من واشنطن بوصفه مجرد احتجاج محدود في شوارع بيروت والضاحية الجنوبية، بل باعتباره مؤشراً على تحول أعمق يطال بنية القوة نفسها داخل لبنان. فالحدث الحقيقي لم يكن في الدراجات النارية، ولا في الإطارات المشتعلة، بل في غياب القدرة على تحويل الاعتراض السياسي إلى معادلة ميدانية كما كان يحدث في مراحل سابقة.

الخطأ الذي يقع فيه كثير من المراقبين هو التركيز على حجم التحرك، بينما يكمن السؤال الحقيقي في سبب محدوديته. فالقوى السياسية لا تتخلى عن أدواتها التي صنعت نفوذها لعقود إلا إذا تغيرت البيئة التي كانت تمنح تلك الأدوات فعاليتها.

لقد قامت معادلة ما بعد عام 2008 على أن امتلاك فائض القوة يسمح بإعادة تشكيل الداخل اللبناني عند الضرورة. أما اليوم، فإن المعادلة تبدو مختلفة. ففائض القوة العسكرية لم يعد يعني بالضرورة فائضاً في حرية القرار السياسي. وهذه هي النقطة التي تكشف التحول الأهم في المشهد اللبناني.

ليس من الضروري أن يكون أي اتفاق قد سحب سلاح القوة، لكن من الممكن أن يكون قد أعاد رسم حدود استخدامها. ففي العلاقات الدولية، كثيراً ما تبقى القدرات العسكرية على حالها، بينما تتغير البيئة السياسية التي تحكم استخدامها، فتتحول القوة من أداة للمبادرة إلى أداة للردع فقط.

ومن هنا، فإن الرسالة الأعمق ليست موجهة إلى الداخل اللبناني وحده، بل إلى الإقليم بأكمله. فالولايات المتحدة لا تبدو منشغلة بإعادة رسم الخرائط بقدر انشغالها بإعادة رسم قواعد الاشتباك. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح النفوذ الحقيقي هو القدرة على تحديد ما الذي يُسمح بحدوثه، لا ما الذي يمكن فعله نظرياً.

في المقابل، جاء موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري ليعكس إدراكاً مختلفاً لطبيعة المرحلة. فالسياسي الذي خبر الحروب والتسويات يدرك أن السياسة ليست فن التمسك بالشعارات، بل فن قراءة موازين القوى كما هي، لا كما يرغب أصحابها أن تكون. لذلك بدا أن الأولوية انتقلت من إدارة الصراع إلى إدارة الخسائر، ومن البحث عن المكاسب التكتيكية إلى تجنب الانهيار الاستراتيجي.

لكن المشهد لا يكتمل من دون قراءة البعد الإقليمي. فمن الخطأ اختزال قرار القوى المرتبطة بمحاور إقليمية في الحسابات اللبنانية وحدها. فالقرار الاستراتيجي في الشرق الأوسط لا يُنتج داخل الحدود الوطنية فقط، بل يتشكل عند تقاطع العواصم الكبرى ومراكز النفوذ الإقليمي. ولهذا، فإن أي تحول في بيروت يبقى انعكاساً لتحولات أوسع تمتد من طهران إلى واشنطن، مروراً بتل أبيب والعواصم العربية المؤثرة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى.

لسنوات طويلة، كان السؤال المطروح هو: من يملك القوة في لبنان؟ أما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً: من يملك حرية استخدام هذه القوة؟ والفارق بين السؤالين هو الفارق بين امتلاك الوسيلة وامتلاك القرار.

إن الدول لا تدخل مراحل جديدة عندما تتغير حكوماتها، بل عندما تتغير قواعد توزيع القوة داخلها.

 وإذا كانت مرحلة ما بعد عام 2008 قد كرست منطق موازين القوى الداخلية، فإن المرحلة التي تتشكل اليوم توحي بأن هذه الموازين باتت أكثر ارتباطاً بالسقف الإقليمي والدولي، وأقل قابلية لإعادة إنتاج نفسها بالوسائل التقليدية.

يبقى الجيش اللبناني أمام الامتحان الأصعب. فاختبار الدولة لا يبدأ عندما تغيب التحديات، بل عندما تُمنح فرصة لإثبات قدرتها على احتكار القرار الأمني ضمن بيئة داخلية وإقليمية معقدة. نجاح هذا الاختبار قد يؤسس لمرحلة جديدة من استعادة المؤسسات لدورها، أما الفشل فسيعيد إنتاج الحلقة نفسها التي استنزفت لبنان لعقود.

قد تختلف القراءات حول ما إذا كان اتفاق واشنطن يمثل بداية تسوية طويلة أو مجرد محطة مؤقتة في صراع مفتوح.

 لكن الثابت أن المشهد الذي أعقبه كشف حقيقة سياسية يصعب تجاهلها: التحولات الكبرى لا تبدأ عندما تتغير موازين السلاح، بل عندما تتغير موازين القرار. وعندما يصبح القرار نفسه جزءاً من معادلات تتجاوز الحدود، فإننا لا نكون أمام أزمة لبنانية جديدة، بل أمام ولادة مرحلة إقليمية جديدة، سيكون لبنان أحد أكثر المتأثرين بها.