الحرب التي أسقطت أوهام الجميع
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
من واشنطن إلى طهران مروراً بتل أبيب والعواصم العربية... لماذا انتهت الحرب بنتائج لم يتوقعها أحد؟
في الحروب الكبرى، لا تكمن أهمية ما يحدث في ساحات القتال فقط، بل في الفجوة بين ما توقعه القادة قبل الحرب وما وجدوا أنفسهم أمامه بعد انتهائها.
وهذا بالضبط ما حدث في المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران.
فبعد أشهر من التصعيد العسكري والسياسي، وبعد سيلٍ من التصريحات التي بشّرت بتغيير جذري في موازين القوى، انتهت الحرب إلى واقع مختلف تماماً عن السيناريوهات التي رُسمت لها.
ليس لأن طرفاً حقق انتصاراً ساحقاً، بل لأن الجميع اكتشف أن حساباته الأولية كانت أبعد ما تكون عن الواقع.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
لقد دخلت واشنطن المواجهة وهي تعتقد أن الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة يمكن أن تفرض معادلة جديدة على إيران. وكان هناك اعتقاد داخل دوائر سياسية وإعلامية عديدة بأن طهران أصبحت أضعف من أن تتحمل مواجهة طويلة، وأن شبكة نفوذها الإقليمية تواجه أخطر اختبار في تاريخها.
في المقابل، دخلت إيران المواجهة وهي تراهن على أن قدرتها على الصمود وردع خصومها ستمنحها موقعاً أقوى في أي تسوية لاحقة.
أما إسرائيل، فكانت ترى أن اللحظة مناسبة لتقليص التهديدات التي تعتبرها وجودية، وفرض واقع أمني جديد يحدّ من نفوذ خصومها الإقليميين.
وفي أكثر من عاصمة عربية، سادت رهانات مختلفة على أن الحرب ستفتح الباب أمام إعادة تشكيل التوازنات السياسية والأمنية في المنطقة.
لكن النتيجة النهائية جاءت مختلفة عن كل هذه التوقعات.
فالنظام الإيراني لم يسقط. والبرنامج النووي لم يُنهَ بالكامل. وشبكات النفوذ الإقليمية لم تختفِ من المشهد. وفي الوقت نفسه، لم تنجح إيران في تحويل المواجهة إلى انتصار استراتيجي حاسم يغيّر قواعد اللعبة لمصلحتها. كما لم تحصل إسرائيل على البيئة الأمنية المستقرة التي كانت تسعى إليها. ولم تتمكن الولايات المتحدة من فرض رؤية جديدة للمنطقة كما كان يأمل بعض صناع القرار.
بمعنى آخر، لم يتحقق لمعظم الأطراف ما دخلت الحرب من أجله.
وهذه ليست تفصيلاً سياسياً عابراً.
إنها مؤشر على أزمة أعمق تتعلق بطريقة فهم الشرق الأوسط نفسه.
فلسنوات طويلة، بُنيت استراتيجيات عديدة على افتراض أن زيادة الضغط ستقود بالضرورة إلى تغيير سلوك الخصوم أو إضعافهم بصورة حاسمة. لكن الأحداث الأخيرة أظهرت أن المنطقة أكثر تعقيداً من أن تُختزل في معادلة ضغط واستجابة.
لقد أثبتت الحرب أن القوة العسكرية، مهما بلغت، لا تستطيع وحدها إنتاج نتائج سياسية مضمونة. وأثبتت أيضاً أن الصمود، مهما كان لافتاً، لا يتحول تلقائياً إلى انتصار استراتيجي.
لهذا السبب انتهت المواجهة إلى طاولة التفاوض بدلاً من الحسم.
ليس لأن أحد الأطراف غيّر قناعاته فجأة، بل لأن الجميع اصطدم بالحدود الفعلية لقوته.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر أهمية.
فعندما بدأت الحرب، كان الحديث يدور حول تغيير قواعد اللعبة.
أما عندما انتهت، أصبح الهدف الأساسي هو منع انهيار الاستقرار الإقليمي والاقتصادي.
لقد انتقلت الأولوية من تحقيق الانتصار إلى تجنب الكارثة.
وهذا التحول يكشف الكثير عن طبيعة المرحلة الحالية.
فالعالم لم يعد ينظر إلى الشرق الأوسط فقط باعتباره ساحة صراعات سياسية وأمنية، بل باعتباره عقدة مركزية في الاقتصاد العالمي والطاقة وسلاسل الإمداد الدولية. وأي مواجهة مفتوحة لم تعد تهدد المتحاربين وحدهم، بل تمتد آثارها إلى الأسواق العالمية والاستقرار الاقتصادي الدولي.
لذلك لم يكن الاتفاق الذي أوقف الحرب مجرد تفاهم بين خصمين.
بل كان اعترافاً ضمنياً بأن استمرار المواجهة قد يخلق أزمات أكبر من قدرة الجميع على السيطرة عليها.
ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد بأن الاتفاق الحالي أنهى أسباب الصراع.
فالخلافات الجوهرية ما زالت قائمة. والشكوك المتبادلة لم تتبدد. والتنافس على النفوذ لم يتوقف. وكل ما حدث هو أن الأطراف انتقلت من ساحة المواجهة المباشرة إلى ساحة إدارة الأزمة.
وهذا فرق مهم.
فالسلام الحقيقي يولد عندما تُحل أسباب الصراع.
أما الهدنات فتولد عندما يعجز الجميع عن تحمل كلفة استمراره.
ولهذا فإن السؤال الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس: من انتصر في الحرب؟
بل: هل تعلمت الأطراف شيئاً من أخطائها؟
هل أدركت واشنطن أن القوة العسكرية لا تكفي وحدها لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
هل أدركت طهران أن البقاء ليس بديلاً عن بناء استقرار طويل الأمد؟
هل أدركت إسرائيل أن التفوق العسكري لا يلغي التعقيدات السياسية التي تحيط بها؟
وهل أدركت القوى الإقليمية أن الرهان على انهيار الخصوم قد يكون أحياناً أكثر خطورة من الخصوم أنفسهم؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
أما النتيجة الوحيدة التي يمكن الجزم بها اليوم، فهي أن الحرب الأخيرة لم تكشف ضعف طرف واحد.
لقد كشفت حدود الجميع.
وكشفت قبل ذلك وبعده حقيقة أكثر إزعاجاً:
أن أكبر الأخطاء في الشرق الأوسط لم تكن في إدارة الحرب، بل في تقدير نتائجها قبل أن تبدأ.