العرب دفعوا الثمن... وإيران أعادت كتابة قواعد النفوذ
بقلم الباحث والكاتب السياسي عبد الحميد عجم
في السياسة الدولية، لا تُقاس نتائج الحروب بعدد الصواريخ التي أُطلقت ولا بحجم الدمار الذي خلّفته، بل بالواقع السياسي الذي ينشأ بعدها. فالحروب تنتهي عندما تتغير موازين القوة، لا عندما يصمت السلاح.
ومن هذه الزاوية تحديداً، تبدو المواجهة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران حدثاً يستحق قراءة مختلفة عن الروايات التقليدية التي انشغلت بعدّ الخسائر العسكرية وتسجيل نقاط الانتصار الإعلامي.
فبعد أشهر من التصعيد والتهديدات والعمليات العسكرية، لم تختفِ إيران من المشهد الإقليمي، ولم تنهَر شبكات نفوذها، ولم تتحول إلى دولة معزولة عن ترتيبات المنطقة. بل حدث ما هو أكثر أهمية: أعادت طهران تموضعها داخل النظام الإقليمي الناشئ، وانتقلت من الدفاع عن نفوذها إلى التفاوض عليه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
الحرب التي رُوّج لها باعتبارها خطوة لكبح النفوذ الإيراني انتهت عملياً إلى تكريس حقيقة سياسية لم تكن القوى الغربية راغبة في الاعتراف بها علناً لسنوات طويلة، وهي أن إيران أصبحت طرفاً لا يمكن تجاوزه في عدد من أكثر ملفات الشرق الأوسط تعقيداً.
في لبنان، ظهر هذا التحول بوضوح لافت.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، نجحت طهران في إدارة معادلة دقيقة: نفوذ واسع من دون مسؤولية مباشرة. كانت تدعم "حزب الله" سياسياً وعسكرياً، لكنها ترفض الاعتراف بأنها صاحبة القرار النهائي في خياراته الاستراتيجية. وبذلك كانت تستفيد من النفوذ وتتجنب في الوقت نفسه كلفة الاعتراف به.
لكن مجرد القبول بالجلوس إلى طاولة تبحث في ترتيبات الجنوب اللبناني وآليات منع التصعيد ومستقبل الاستقرار على الحدود، يعني أن هذه المعادلة القديمة بدأت تتغير. فحين تصبح إيران جزءاً من النقاش حول إدارة الأزمة، فهي تعترف عملياً بأنها جزء من معادلة القرار المرتبطة بها.
وهنا لا يتعلق الأمر بلبنان وحده.
فالقضية الأهم هي أن المنطقة كلها تبدو وكأنها تنتقل من مرحلة محاولة تقليص النفوذ الإيراني إلى مرحلة تنظيمه وإدارته. والفرق بين الحالتين ليس لغوياً، بل استراتيجي بالكامل.
عندما تحاول قوة كبرى إقصاء نفوذ خصمها، فهي تتعامل معه بوصفه مشكلة مؤقتة. أما عندما تبدأ التفاوض معه حول قواعد السلوك وحدود الحركة وترتيبات الأمن، فهي تعترف ضمنياً بأنه أصبح جزءاً من الواقع الذي يجب التعايش معه.
لهذا السبب تحديداً يسود القلق في عدد من العواصم العربية.
فالمشكلة لا تكمن فقط في استمرار النفوذ الإيراني، بل في احتمال تحوله من نفوذ قائم على القوة والوقائع الميدانية إلى نفوذ يحظى بدرجات متفاوتة من الاعتراف السياسي والدولي.
إنه انتقال من النفوذ الفعلي إلى النفوذ المنظم.
وفي المقابل، كانت الدول العربية تتحمل الجانب الأكثر كلفة من المشهد.
دفعت اقتصادات المنطقة أثمان التوتر وعدم الاستقرار. وواجهت أسواقها وممراتها التجارية وأمنها القومي تداعيات التصعيد. وعاشت مجتمعاتها تحت ضغط المخاوف من انفجار إقليمي واسع. لكن عندما بدأت ترتيبات ما بعد المواجهة بالتشكل، لم تكن الدول العربية هي الطرف الرئيسي الذي يجلس إلى الطاولة لرسم قواعد المرحلة الجديدة.
وهنا يظهر الخلل الاستراتيجي الأكبر.
فالنفوذ لا يُقاس فقط بالقدرة على التأثير في الحروب، بل بالقدرة على التأثير في التسويات التي تليها.
والتاريخ يعلمنا أن من يملك مقعداً على طاولة التسويات يربح أحياناً أكثر مما يربحه من يملك موقعاً متقدماً في ساحة المعركة.
قد يجادل البعض بأن إيران خرجت من هذه المواجهة أكثر ضعفاً عسكرياً وأكثر استنزافاً مما كانت عليه قبلها، وأن خسائرها البشرية واللوجستية وشبكاتها الإقليمية لا يمكن تجاهلها. وهذا صحيح جزئياً.
لكن التجارب التاريخية من فيتنام إلى أفغانستان مروراً بالعراق تثبت أن القوة العسكرية ليست المعيار الوحيد للحكم على نتائج الصراعات. فالسؤال الحاسم ليس: من خسر أكثر؟ بل: من استطاع تحويل الخسارة إلى نفوذ سياسي؟
وهنا تحديداً تبدو إيران وكأنها نجحت في تحقيق ما عجزت عنه القوة العسكرية وحدها: تثبيت نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزه في ترتيبات ما بعد الحرب.
أما العرب، فإن التحدي الحقيقي أمامهم لا يتمثل في مراقبة صعود النفوذ الإيراني أو تراجعه، بل في بناء قدرة عربية مستقلة على التأثير في نتائج التسويات الإقليمية، لا الاكتفاء بتحمل كلفة الصراعات التي تسبقها.
فالشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة لا تُرسم حدودها في ميادين القتال فقط، بل في غرف التفاوض أيضاً.
السؤال الحقيقي هو: من دفع الثمن؟ ومن جلس إلى الطاولة ليحدد شكل المستقبل؟
حتى الآن، تبدو الإجابة مؤلمة بقدر ما هي واضحة:
العرب دفعوا الفاتورة، بينما نجحت إيران في إعادة تنظيم نفوذها.